في عالمٍ يتداعى فيه الضمير أمام سطوة المصالح والسكوت الدولي، تبرز أصوات فردية تتحدى القمع والتواطؤ. من رومانيا، تخرج الناشطة وصانعة المحتوى نيكول جينيس شاهدة على مأساة غزة، ورافضة لابتلاع الصمت.
تواجه جينيس تهديدات بالقتل وحملات تشويه ممنهجة، لا لشيء سوى لأنها قررت أن “تقول الحقيقة وتسخر من الكذب”. بأسلوب ساخر ولغة إنسانية حادة، تحوّلت نيكول إلى أيقونة رقمية لمناصرة القضية الفلسطينية، متجاوزة الحدود والهويات، لتؤكد أن الضمير لا يحتاج جواز سفر.
https://x.com/NicoleJenes1/status/1863263590515458445/photo/1
جريمة موثقة وصمت عالمي مخزٍ
في مقابلات مصورة وتصريحات عبر حساباتها، تُصرّ جينيس على وصف ما يحدث في غزة بأنه “إبادة جماعية موثقة”، مشيرة إلى أن القطاع تحوّل إلى “مقبرة للأطفال وميدان تجويع واختبار للأسلحة الحديثة”.
تتحدث عن أبنية مهدمة، عائلات مفجوعة، وأجساد هشّة تنهكها المجازر والصمت العالمي. في رأيها، لا يمكن تصنيف الصراع في غزة ضمن إطار “نزاع” تقليدي، بل هو “تفكيك ممنهج للحياة”، جريمة ترتكبها آلة حرب مدعومة من قوى كبرى تختبئ خلف مصطلحات دبلوماسية جوفاء.
تُحمّل جينيس المسؤولية الأخلاقية للحكومات الغربية التي تكتفي بإحصاء الضحايا، بينما تواصل تزويد الاحتلال بالأسلحة والدعم. وتقول: “لو ارتكبت أي دولة أخرى ما فعلته إسرائيل، لقامت الدنيا ولم تقعد.. لكن لأن القاتل هو الحليف المُدلل، تتضاعف الحصانة بدلًا من العقاب”.
الكوميديا سلاح ناعم يهزّ أركان الدعاية
لم تختر نيكول جينيس المواجهة بالشعارات التقليدية، بل سخّرت أدواتها في عالم السوشيال ميديا بأسلوب ساخر لاذع، يفضح الخطاب الإسرائيلي المضلل ويخترق القلوب والعقول. ترى جينيس أن السخرية ليست تقليلا من المأساة، بل فضحًا لعبثية القسوة التي تُغلف جرائم الاحتلال تحت مسمى “الدفاع عن النفس”.
وتضيف: “حين يُقتل الأطفال وتُدمّر المستشفيات وتُعرض المجازر كأفعال شرعية، لا بد من لغة تصدم، تُضحك لتُفكّر، وتكشف زيف العالم الذي يرفض أن يرى”. تؤمن بأن الفكاهة “تتسلل خلف جدران اللامبالاة، وتحرك ضمائر تجمدت من فرط التكرار والتزييف الإعلامي”.
رغم الرقابة والحظر الخفي من منصات التواصل الاجتماعي، تواصل جينيس النشر والتوثيق. وتؤكد: “نحن محظوظون لأننا لا نُقصف. معركتنا مع الرقابة، لا مع الفوسفور الأبيض”. وتُصرّ على أن “كل محاولة لإسكات صوت، هي دليل على قوته”.
أسطول الضمير وانتفاضة الشعوب الحرة
لم تقف جينيس عند حدود العالم الرقمي، بل شاركت فعليا في مبادرات إنسانية مثل “أسطول الحرية”، معتبرة أن هذه القوافل لا تمثل فقط مساعدة إنسانية، بل “ثورة أخلاقية عابرة للسياسة والدين”. وتصف الهجوم الإسرائيلي على السفن المدنية، ومنها السفينة “مادلين”، بأنه قرصنة تجري بإفلات كامل من العقاب، مستنكرة صمت أوروبا والدول الكبرى أمام اختطاف متطوعين إنسانيين في المياه الدولية.
تؤكد الناشطة الرومانية أن هذه المهام “تكسر الحصار النفسي والسياسي حول غزة”، وتجبر وسائل الإعلام والرأي العام على مواجهة الحقيقة، معتبرة أن تكرار الرحلات شكل من أشكال المقاومة.
وتختم رسالتها برسالة أمل وإلهام: “نحن الشعوب الحرة نُبحر مرة تلو الأخرى، لأننا لم نعد نثق في حكوماتنا. نحن انتفاضة عالمية، وضمير متّقد لا يمكن لأحد أن يطفئه. نعم، نحن قلقون، لكن القلق لا يمنعنا من التقدّم، بل يدفعنا إلى الصمود”.
الخاتمة: إنسانية لا تحتاج إلى مبرر
رسالة جينيس تتجاوز الحدود الرومانية، وتمتد لتشمل كل من شعر بالعجز أو الخوف. تذكّر الجميع أن “الصمت ليس خيارا، ولا يجب أن يكون”، وأن “الفعل الإنساني لا يحتاج إلى مبرر أو تصريح، بل إلى قلب حي”. في زمن تمارس فيه التكنولوجيا الرقابة، تُصرّ جينيس على أن الضمير لا يمكن حجبه، وأن الوعي الشعبي أقوى من التواطؤ السياسي.
تختم بدعوة صريحة: “إذا شعرت بالألم فأنت ما زلت إنسانا. لكن لا تسمح له أن يشلّك. اصرخ، اكتب، قارع الكذب. أنت محظوظ لأنك لست تحت القصف، فلا تجعل امتيازك صمتا. كلنا جنود في هذه المعركة، كلٌ حسب سلاحه، وأنا سلاحي… السخرية والصدق”.
اقرأ أيضًا : سجون بلا أبواب للعدالة.. كيف تحوّلت الزنازين في مصر إلى غرف إعدام بطيء؟