شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة تصعيدا غير مسبوق بعد إطلاق إيران واحدة من أعنف موجات الهجمات الصاروخية منذ اندلاع المواجهة الإقليمية الأخيرة، في تطور وصفته وسائل إعلام إيرانية بأنه “الهجوم الأوسع والأثقل” ضد أهداف إسرائيلية وأمريكية في المنطقة. وبينما أعلنت طهران أن الضربات تأتي ردا مباشرا على ما وصفته بالعدوان المستمر على أراضيها وحلفائها، كشفت التقارير الواردة من الداخل الإسرائيلي عن حالة ارتباك أمني واسع بعد سقوط صواريخ وشظايا قرب مواقع حساسة، بينها منشآت عسكرية ومحيط منشآت طبية في قلب الكيان.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن الهجوم الإيراني تميز باستخدام صواريخ انشطارية تحمل ذخائر عنقودية، وهو ما يزيد من مساحة التدمير ويعقّد عمليات الاعتراض والدفاع الجوي، الأمر الذي جعل هذه الجولة من المواجهة مختلفة عن سابقاتها، ليس فقط من حيث الكثافة النارية، بل أيضا من حيث الرسائل العسكرية والسياسية التي تحملها.
صواريخ انشطارية تضرب عمق الكيان
أفاد التلفزيون الإيراني بأن الموجة الأخيرة من الضربات الصاروخية استهدفت قاعدة جوية قرب تل أبيب، في إطار عملية عسكرية أوسع أعلن عنها الحرس الثوري الإيراني. وبحسب الرواية الإيرانية، فإن هذه الضربة تأتي ضمن سلسلة عمليات متصاعدة تهدف إلى إضعاف البنية العسكرية الإسرائيلية والرد على الهجمات التي طالت الأراضي الإيرانية وحلفاء طهران في المنطقة.
في المقابل، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن سقوط صاروخ أو شظايا بالقرب من مستشفى وقاعدة عسكرية وسط الأراضي المحتلة، بينما أشارت تقارير أخرى إلى سقوط قنابل عنقودية من صاروخ انشطاري أطلق من إيران جنوب تل أبيب.
ويعد استخدام الصواريخ الانشطارية تطورا لافتا في طبيعة المواجهة، إذ تنفجر هذه الصواريخ في الجو لتطلق عددا كبيرا من القنابل الصغيرة التي تنتشر على مساحة واسعة، ما يزيد من خطرها على الأهداف العسكرية والبنية التحتية المدنية في آن واحد.
صفارات الإنذار تعم الشمال والوسط
تزامنا مع الهجوم، أعلنت الجبهة الداخلية الإسرائيلية دوي صفارات الإنذار في مناطق واسعة من الأراضي المحتلة، شملت منطقة الكرمل جنوب حيفا ومنطقة الشارون شمال تل أبيب، ما أدى إلى حالة من الذعر بين السكان ودفع آلاف المستوطنين إلى الاحتماء بالملاجئ.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق الضربات الإيرانية، إذ لم تقتصر على منطقة واحدة، بل طالت عدة مناطق استراتيجية، الأمر الذي يشير إلى محاولة إغراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية بعدد كبير من الصواريخ في وقت واحد.
وتعتمد إيران في هذا النوع من الهجمات على تكتيك “الإشباع الصاروخي”، حيث يتم إطلاق عدد كبير من المقذوفات في وقت متزامن بهدف استنزاف منظومات الدفاع مثل القبة الحديدية ومقلاع داود، وهو ما يزيد احتمال وصول بعض الصواريخ إلى أهدافها.
استهداف مواقع أمريكية في المنطقة
لم تقتصر الضربات الإيرانية على الأراضي المحتلة، بل امتدت أيضا إلى أهداف أمريكية في المنطقة، بحسب بيان الحرس الثوري الإيراني.
وقال البيان إن الموجة الصاروخية الجديدة استهدفت قواعد أمريكية في أربيل بالعراق، إضافة إلى مواقع تابعة للأسطول الخامس الأمريكي في الخليج، في رسالة واضحة بأن طهران تعتبر الولايات المتحدة طرفا مباشرا في المواجهة الجارية.
ويعكس هذا التوسع في دائرة الاستهداف محاولة إيرانية لفرض معادلة ردع جديدة، تقوم على توسيع نطاق الرد بحيث يشمل كل الأطراف التي تدعم العمليات العسكرية ضدها أو ضد حلفائها.
“الموجة الأعنف” منذ بداية المواجهة
وصف الحرس الثوري الإيراني هذه الضربة بأنها “الموجة السابعة والثلاثون والأعنف والأثقل” منذ بدء المواجهة، مؤكدا أنها تضمنت كثافة نارية غير مسبوقة مقارنة بالرشقات السابقة.
وبحسب البيان، فإن العملية ستستمر لعدة ساعات على الأقل، ما يشير إلى أن ما حدث قد يكون مجرد بداية لجولة جديدة من التصعيد العسكري.
ويعتقد مراقبون أن إيران تحاول من خلال هذا التصعيد توجيه رسالة مزدوجة، الأولى إلى إسرائيل بأن استمرار الهجمات سيقابل برد قاس ومؤلم، والثانية إلى الولايات المتحدة بأن أي توسع في الحرب سيجعل قواعدها ومصالحها العسكرية في المنطقة ضمن بنك الأهداف الإيراني.
معادلة الرد القاسي على الاحتلال
من منظور طهران، فإن هذه الهجمات تأتي ضمن استراتيجية “الرد القاسي”، وهي العقيدة التي أعلنها القادة الإيرانيون مرارا في مواجهة أي هجوم يستهدف البلاد أو حلفاءها.
وتقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ الرد المتدرج والمتصاعد، بحيث يتم توجيه ضربات أكبر كلما اتسعت العمليات العسكرية ضد إيران أو ضد القوى المتحالفة معها في المنطقة.
كما تسعى إيران من خلال هذه العمليات إلى إظهار قدرتها على ضرب العمق الإسرائيلي، وهو عنصر أساسي في معادلة الردع الإقليمية التي تحاول طهران ترسيخها منذ سنوات.
مواجهة مفتوحة واحتمالات التصعيد
مع استمرار تبادل الضربات، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، إذ إن اتساع نطاق الهجمات ليشمل أهدافا أمريكية وإسرائيلية في وقت واحد قد يدفع الصراع نحو مواجهة إقليمية أوسع.
ويرى محللون أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستوى المخاطر، خصوصا مع استخدام أسلحة أكثر تطورا واتساع نطاق الأهداف العسكرية.
وفي ظل غياب أي مؤشرات على تهدئة قريبة، يبدو أن المواجهة بين إيران وإسرائيل مرشحة لمزيد من التصعيد، وهو ما قد ينعكس ليس فقط على الأمن الإقليمي، بل أيضا على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، التي تتابع بقلق تطورات الصراع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
اقرأ أيضا : إيران تحتفظ بترسانتها الصاروخية رغم الحرب.. خيبة أمل أمريكية إسرائيلية متزايدة