أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم الخميس، ارتفاع حصيلة ضحايا الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 70 ألفًا و669 شهيدًا، إضافة إلى 171 ألفًا و165 مصابًا، في رقم يعكس حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها القطاع تحت العدوان والحصار.
ووفق البيان الإحصائي اليومي للوزارة، استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية شهيدًا واحدًا و13 مصابًا، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول أماكن أو ظروف سقوط الضحايا، وهو ما بات مشهدًا اعتياديًا في واقع يفتقد الحد الأدنى من الأمان.

إبادة مستمرة رغم اتفاق وقف إطلاق النار
ورغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تؤكد وزارة الصحة أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل خرق الاتفاق بشكل منهجي، عبر استهداف مناطق مدنية وإطلاق النار على الفلسطينيين، ما أسفر منذ ذلك التاريخ عن مقتل نحو 395 فلسطينيًا وإصابة 1088 آخرين.
وتكشف هذه الأرقام أن وقف إطلاق النار لم يكن سوى غطاء سياسي لإدارة القتل بوتيرة أبطأ، لا لإنهائه، في ظل غياب أي آلية دولية ملزمة تفرض على الاحتلال احترام تعهداته أو تحاسبه على خروقاته المتكررة.
أرقام تعكس جريمة منظمة لا “أضرارًا جانبية”
مع تجاوز عدد الشهداء حاجز السبعين ألفًا، لم تعد الرواية الإسرائيلية عن “الدفاع عن النفس” أو “الأضرار الجانبية” قابلة للتصديق، إذ تشير المعطيات الميدانية وتقارير المنظمات الحقوقية إلى نمط ممنهج من الاستهداف طال المدنيين، والأطفال، والنساء، والطواقم الطبية، والصحفيين، ومراكز الإيواء.
ويؤكد حقوقيون أن ما يجري في غزة يرقى بوضوح إلى جريمة إبادة جماعية وفق تعريف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، خاصة في ظل توافر عناصر القتل الجماعي، والتدمير الواسع، وفرض ظروف معيشية قاتلة تهدف إلى القضاء على جماعة بشرية بشكل كلي أو جزئي.
تدمير شامل للبنية التحتية وحياة السكان
وإلى جانب الخسائر البشرية الفادحة، خلّفت الإبادة الإسرائيلية دمارًا واسعًا طال نحو 90% من البنية التحتية في قطاع غزة، بما يشمل شبكات الكهرباء والمياه، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات، والمرافق الحيوية، فضلًا عن تدمير أحياء كاملة وتحويلها إلى ركام غير صالح للحياة.
وقدّرت الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار القطاع بنحو 70 مليار دولار، في رقم يعكس ليس فقط حجم الدمار، بل عمق الجريمة التي ارتُكبت بحق أكثر من مليوني إنسان حُرموا من أبسط مقومات الحياة.
سياسة تجويع وعقاب جماعي
ولا يقتصر إجرام الاحتلال على القصف والقتل المباشر، بل يمتد إلى سياسة التجويع والعقاب الجماعي، عبر إغلاق المعابر، ومنع دخول المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ، واستهداف مخازن الغذاء والمخابز، ما أدى إلى تفشي المجاعة وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.
وتؤكد تقارير أممية أن غزة تشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، وسط تحذيرات متكررة من مجاعة شاملة، في ظل عجز المنظومة الدولية عن فرض فتح المعابر أو حماية القوافل الإغاثية.
صمت دولي وتواطؤ سياسي
في مقابل هذه الأرقام الصادمة، يبرز الصمت الدولي، بل والتواطؤ السياسي لبعض القوى الكبرى، التي تواصل توفير الغطاء الدبلوماسي والعسكري للاحتلال، عبر تعطيل قرارات مجلس الأمن، أو الاستمرار في تزويده بالسلاح رغم علمها باستخدامه ضد المدنيين.
ويرى مراقبون أن إفلات الاحتلال من العقاب شجّعه على المضي في جرائمه، في ظل غياب إرادة دولية حقيقية لتطبيق القانون الدولي الإنساني، أو تفعيل آليات المحاسبة، بما في ذلك ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية.
غزة.. جرح مفتوح في الضمير الإنساني
ومع استمرار ارتفاع حصيلة الشهداء يومًا بعد يوم، تتحول غزة إلى جرح مفتوح في الضمير الإنساني، وشاهد دامغ على فشل النظام الدولي في حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
وفي ظل غياب أفق سياسي حقيقي، وتواصل العدوان بأشكال متعددة، يبقى السؤال مطروحًا: إلى متى سيستمر هذا النزيف الإنساني؟ ومتى يتحول التضامن اللفظي إلى محاسبة فعلية تضع حدًا لإجرام الاحتلال، وتعيد الاعتبار لحقوق الفلسطينيين في الحياة والحرية والكرامة؟
اقرأ أيضا : مرشح رئاسي سابق: قمع قيس سعيّد يقود تونس نحو تغيير حتمي للسلطة