في قلب السودان المنكوب، وتحديدًا في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، يطلق ناشطون نداءً يائسًا بعنوان “أنقذوا الفاشر.. أغيثوا الفاشر”، وسط أزمات متشابكة من الحصار والجوع والمرض. غير أن خلف هذا المشهد الكارثي، تتكشف خيوط دعم إقليمي واضح، يتصدره النظام الإماراتي، لقوات الدعم السريع التي تحاصر المدينة، في واحدة من أبشع صور استخدام التجويع كسلاح في الحرب.
بينما يصطف الأهالي من أجل كسرة خبز، يزداد الحديث عن الدور الإماراتي في تسليح المليشيات وتمويلها، مقابل صمت دولي مثير للتساؤلات.

تجويع منهجي بدعم خارجي: الدور الإماراتي في خنق الفاشر
الحصار الذي يفرضه “قوات الدعم السريع” على الفاشر منذ أكثر من عامين، لم يكن مجرد تطور عسكري عابر، بل بات أداة ممنهجة لخنق المدينة وتجويع أهلها، حسب وصف الدكتور محمد سليمان أتيم، أحد منظمي حملة “أنقذوا الفاشر”، الذي أكد أن ما يجري هو “تجويع مبرمج” يمارَس على المدنيين كجزء من استراتيجية الحرب. هذا الحصار أدى إلى انهيار شبه كامل في توافر المواد الغذائية، وانتشار المجاعة بين السكان الذين باتوا يقتاتون على “الأمباز”، وهو علف مخصص للحيوانات.
ورغم فداحة الأزمة، إلا أن المثير للقلق هو التورط الإقليمي، وخاصة من دولة الإمارات، التي تشير تقارير استخباراتية وإعلامية متواترة إلى استمرارها في دعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال، وتوفير غطاء سياسي عبر حلفائها الإقليميين. هذا الدعم، كما يقول مراقبون، جعل حصار الفاشر ممكناً وممتداً، وأتاح لتلك المليشيات تحويل الغذاء إلى أداة للابتزاز السياسي والعسكري.
الإمارات التي طالما تغنّت بدورها “الإنساني” في المنطقة، تجد نفسها اليوم في قلب كارثة إنسانية تشبه جرائم الحرب، عبر دعمها لقوات ترتكب انتهاكات ممنهجة ضد المدنيين في دارفور، وهو ما يستوجب فتح تحقيق دولي شامل، وفرض عقوبات فورية.
صحة منهارة وأوبئة تفتك بالسكان
الوضع الإنساني في الفاشر تجاوز حدود المجاعة، ليشمل انهيارًا في النظام الصحي وانتشارًا واسعًا للأوبئة. فبحسب تقارير رسمية من وزارة الصحة في شمال دارفور، توفي أكثر من ألفي طفل بسبب الحصبة منذ بدء الحرب، فيما سُجلت مئات الإصابات الجديدة خلال أيام، وسط غياب تام للأدوية وانهيار المرافق الصحية.
كما انتشرت الكوليرا بسرعة مرعبة، حيث سجلت مدينة طويلة 2145 إصابة و40 حالة وفاة، فيما تواصل المرض في الانتشار نحو جبل مرة ومخيمات النازحين في جنوب دارفور. بحسب المتحدث باسم منسقية النازحين، آدم رجال، فإن المرض تمدد إلى مخيمات “كلمة” و”السلام” و”عطاش”، متغذياً على تلوث مياه الشرب وانعدام الصرف الصحي، في ظل ظروف مناخية صعبة ونقص فادح في المعونات.
المؤشرات كلها تؤكد أن الكارثة لا تقتصر على الحصار الغذائي، بل تنذر بإبادة بطيئة شاملة عبر الجوع والمرض، تستهدف فئات هشة مثل الأطفال وكبار السن، ما يعيد إلى الأذهان مآسي رواندا والبوسنة، ولكن هذه المرة في قلب إفريقيا بدعم معلن أو متواطَأ عليه من بعض دول الخليج.
دعوات للتحرك.. وصمت رسمي مثير للريبة
في ظل هذه المأساة، طالب حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، بضرورة التحرك العاجل لإنقاذ الفاشر، متهماً الدولة السودانية ومؤسساتها بـ”البرود” في التعامل مع حصار المدينة. مناوي أشار إلى أن صمود أهالي الفاشر لا ينبغي أن يُكافأ بالتجاهل، داعيًا إلى إعادة تكرار نموذج المقاومة في الخرطوم والجزيرة، من خلال تكتل القوى المناهضة لقوات الدعم السريع، واستعادة السيطرة على دارفور.
لكن اللافت هو الصمت الدولي والعربي، خاصة من الدول التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان. فلم تُعقد قمة طارئة، ولم تُفرض عقوبات، ولم تُفتح ممرات إنسانية حقيقية، وكأن حياة آلاف السودانيين لا تساوي شيئًا في معادلات السياسة والمصالح. وحتى الأمم المتحدة، اكتفت بالتصريحات الإنشائية دون خطوات ملموسة.
في المقابل، فإن الحملة الشعبية “أنقذوا الفاشر” تكاد تكون النور الوحيد وسط الظلام، حيث يحاول الناشطون من داخل السودان وخارجه لفت أنظار العالم إلى ما يجري، عبر وسم الحملة على منصات التواصل، ومقاطع توثق الانهيار الغذائي، والنداءات المصورة من داخل المدينة، مطالبين بفتح ممرات آمنة ووقف الدعم للمليشيات.
خاتمة: من الفاشر إلى لاهاي؟
ما يجري في الفاشر ليس أزمة محلية، بل جريمة حرب مكتملة الأركان، وتواطؤ إقليمي مكشوف، وعلى رأسه الإمارات. إن استخدام الجوع والمرض كوسيلة للحرب يرقى إلى الإبادة، ويستدعي تحركًا قانونيًا لمحاكمة المتورطين، ووقف الدعم عن المليشيات المسلحة، وفرض ممرات إنسانية عاجلة بإشراف دولي.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل صرخة “أنقذوا الفاشر” ترددها حناجر الجياع، وتكتبه دموع الأمهات، وتشهده قبور الأطفال الذين قُتلوا ليس بالرصاص، بل بالإهمال والخذلان والتواطؤ.
اقرأ أيضًا : الإمارات تدعم تقسيم سوريا: مجموعات درزية مسلحة تنفلت في السويداء وتمنع الدولة والمساعدات