في مشهد يعكس أقصى درجات المأساة الإنسانية، أطلقت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) تحذيرًا عاجلًا عبر منصة “إكس”، مؤكدة أن جميع الإمدادات الأساسية تنفد في قطاع غزة، حيث ينام الرضع والأطفال على بطون خاوية، في ظل حصار إسرائيلي خانق وعدوان عسكري مستمر منذ أكثر من 18 شهرًا.
البيان الذي أصدرته الوكالة الأممية يوم السبت، لم يكن مجرد تذكير بمحنة إنسانية، بل كان صرخة استغاثة أمام صمت دولي مطبق وتواطؤ سياسي مريب.
فقد جاء في البيان أن مخزون الغذاء أوشك على النفاد بالكامل، والمخابز أُغلقت، والجوع بات ينتشر بسرعة مخيفة في صفوف المدنيين، وسط عجز تام في الاستجابة الدولية، وتجاهل لنداءات الإغاثة.

تفكك المساعدات وتفاقم الكارثة: مسؤولية أممية أم فشل عالمي؟
هذا التحذير ليس الأول من نوعه، بل يأتي في سلسلة من النداءات العاجلة التي أطلقتها أونروا، والتي تقابلها إسرائيل بسياسات ممنهجة لتقويض عمل الوكالة، وسط تضييقات أميركية وأوروبية تستهدف مصادر تمويلها وشرعيتها.
منذ انهيار وقف إطلاق النار قبل ثلاثة أسابيع، ارتفعت أعداد النازحين إلى أكثر من 400 ألف شخص إضافي، ما يزيد من حدة الأزمة. هذه الأعداد تتضافر مع أكثر من مليوني نسمة محاصرين داخل غزة، في ظروف مأساوية من القصف المستمر، وانعدام المرافق الصحية، وندرة المياه والغذاء.
وبالرغم من كل التقارير الصادرة من منظمات أممية وحقوقية، لا تزال المعابر مغلقة أمام دخول الإمدادات الإنسانية، فيما تستمر إسرائيل بفرض “حصار التجويع” كأداة حرب، في خرق واضح لكل الأعراف الدولية واتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في النزاعات المسلحة.
وقد أكدت أونروا أن الوضع الحالي يتطلب تدخلًا فوريًا وجادًا، قبل أن تدخل غزة في مرحلة “المجاعة الكاملة”، ما قد يؤدي إلى وفيات جماعية بين الأطفال والنساء وكبار السن، خاصة مع انهيار النظام الصحي بشكل شبه كامل نتيجة القصف الممنهج للمنشآت الطبية.
تواطؤ دولي وإبادة ممنهجة: هل يُراد لغزة أن تموت صمتًا؟
التحذيرات الأخيرة من خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان جاءت في بيان مشترك الأسبوع الماضي، وصفوا فيه الواقع في غزة بأنه “تدمير ممنهج لحياة السكان”، متهمين إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية واضحة، وسط غياب الحد الأدنى من مقومات البقاء.
الخبراء الأمميون أوضحوا أن عددًا غير مسبوق من موظفي الإغاثة قتلوا خلال العدوان الإسرائيلي، وأن الأمم المتحدة لم تعد قادرة على ضمان أمن فرقها على الأرض، وهو ما يعكس فشلًا دوليًا ذريعًا في حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.
وفي السياق ذاته، حذر الخبراء من أن سياسات إسرائيل باتت أكثر تطرفًا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرين إلى أن العدوان على غزة تحول من حرب إلى عملية إبادة جماعية حقيقية، مدعومة بالكامل من الولايات المتحدة الأميركية، التي استخدمت مرارًا حق النقض (الفيتو) لعرقلة أي تحرك دولي لوقف المجازر.
وأمام هذه الأرقام الكارثية التي تشير إلى أكثر من 166 ألف شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، وأكثر من 11 ألف مفقود، يبقى الصمت الدولي شريكًا أساسيًا في الجريمة، ويزداد الغضب الشعبي في العالم تجاه ما يبدو وكأنه تخلي كامل عن المبادئ الإنسانية الأساسية.
مسؤولية جماعية وحتمية المحاسبة
إن ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية، بل هو فصل مظلم في تاريخ العالم المعاصر يُرتكب على مرأى من الجميع، تحت غطاء الصمت أو الدعم السياسي المباشر.
تصريحات أونروا ليست مجرد تحذيرات تقنية، بل هي شهادة على فشل منظومة القانون الدولي في حماية المدنيين أمام آلة عسكرية لا ترحم.
ومع اقتراب المجاعة الشاملة، يجب على المجتمع الدولي أن يقرر: هل سيظل متفرجًا حتى يلفظ آخر طفل في غزة أنفاسه، أم سيتحرك لإيقاف شلال الدم وفتح المعابر وتوفير الحماية الفعلية للمدنيين؟.
في ظل الواقع الحالي، بات من الواضح أن الصراع في غزة لم يعد يدور فقط حول الأرض أو السياسة، بل حول البقاء ذاته، وتحديدًا بقاء الإنسان الفلسطيني، الذي تُرك فريسة للحصار والجوع والقتل.
اقرأ أيضًا : قضاء أمريكي يدعم ترحيل الناشط الفلسطيني محمود خليل: هل تتحول الجامعات الأمريكية إلى ساحة قمع للحريات؟