تواجه التجمعات الفلسطينية في النقب المحتل واحدة من أخطر مراحل الصراع الوجودي منذ عام 1948، حيث تسعى حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، وبأدوات استيطانية فاشية، إلى حسم معركة الأرض عبر تصفية الوجود العربي تماماً. ويبرز مخطط “شيكلي” كذروة لهذا الإجرام الإسرائيلي، حيث لا يهدف فقط إلى هدم البيوت، بل إلى اقتلاع الجذور التاريخية والثقافية للفلسطينيين وحشرهم في معازل جغرافية ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، في عملية تطهير عرقي صامتة تجري تحت غطاء “التطوير والتنظيم”.

مخطط “شيكلي”: هندسة التهجير القسري وتدمير القرى

يقود الوزير المتطرف عميحاي شيكلي، المسؤول عما تسمى “سلطة توطين البدو”، مخططاً عدوانياً يستهدف في مرحلته الأولى خمس قرى فلسطينية، مع وجود نوايا معلنة لتوسيع النطاق ليشمل 15 قرية أخرى. هذا المشروع الإجرامي يهدد بتهجير أكثر من 100 ألف فلسطيني من أراضيهم التي ورثوها أباً عن جد، ليتحولوا إلى لاجئين داخل وطنهم. الاحتلال يستغل تصنيف القرى بين “معترف بها” و”غير معترف بها” كذريعة قانونية واهية لمصادرة الأرض، بينما الحقيقة أن الهدف هو الاستيلاء على أكبر مساحة من الأرض مقابل حشر الفلسطينيين في أقل مساحة ممكنة.

إن خطورة هذا المخطط تكمن في كونه استمراراً لسلسلة قوانين عنصرية سنتها “الكنيست”، مثل قانون “الغزاة” الذي يبيح هدم البيوت واقتلاع الأشجار ومنع الرعي. الاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يضرب مصادر الرزق الأساسية المرتبطة بالبيئة الريفية والزراعية لأهالي النقب، بهدف تحويلهم إلى عمالة رخيصة في المدن الإسرائيلية، وتجريدهم من هويتهم المرتبطة بالأرض.

سياسة الخصخصة ونزع الصلاحيات: حرب على الوعي والهوية

تتجاوز الجريمة الإسرائيلية حدود الجرافات وهدم المنازل لتصل إلى العملية التعليمية والتربوية. فقد عمدت سلطات الاحتلال إلى “خصخصة” التعليم في النقب وانتزاع صلاحياته من المجالس المحلية العربية، لتضعها في يد سلطات استيطانية تهدف إلى صياغة وعي الأجيال القادمة بما يخدم الرواية الصهيونية. هذا التغول الإداري يعني حرمان الفلسطينيين من حقهم في إدارة شؤونهم التربوية وحماية لغتهم وتراثهم وقيمهم.

ويشير قادة النضال الشعبي في النقب إلى أن الاحتلال يمارس تفرقة عنصرية (أبارتهايد) فجة؛ فبينما تُبنى المستوطنات والـ “كيبوتسات” لليهود بميزانيات ضخمة وتخطيط عصري، يُجبر الفلسطينيون على دخول بلدات مكتظة لا تعكس تراثهم ولا توفر لهم رافعة اقتصادية. إنها محاولة لإلغاء الحلم الفلسطيني بإقامة قرى زراعية مستقرة، واستبداله بواقع مرير يقوم على التبعية الكاملة لمنظومة الاحتلال.

الدولة العميقة والتشريعات العنصرية: شرعنة سلب الملكية

تعتمد إسرائيل في إجرامها على قاعدة قانونية عنصرية تعود لعام 1953، وهو “قانون اقتناء الأراضي”، الذي حول مساحات شاسعة من النقب إلى ما تسمى “أراضي دولة”. هذا القانون شرعن مصادرة الأراضي تحت حجج “الأغراض الأمنية” أو “المصلحة العامة”، ليتم لاحقاً تسليمها لـ “دائرة أراضي إسرائيل” التي تقوم ببناء مستوطنات وقواعد عسكرية عليها.

ما يحدث اليوم هو تطوير لهذه السياسات بأساليب ضغط حديثة وتغيير في الكوادر الوظيفية داخل “الدولة العميقة” للاحتلال، لضمان تنفيذ عمليات الإخلاء والتهجير بسرعة وبدون عوائق قانونية. لقد سلب الاحتلال من فلسطينيي النقب حق الملكية، وحق التخطيط، وحتى حق الانتخاب في بعض المناطق، مما يتركهم في مواجهة مباشرة مع آلة عسكرية وإدارية لا تعترف بوجودهم الإنساني أصلاً.

ضرورة النضال الموحد لمواجهة الزحف الاستيطاني

أمام هذا التغول الفاشي في قرى مثل كسيفة، واللقية، وأبو تلول، وسعوة، ومرعيت، تصبح الوحدة الميدانية هي السلاح الوحيد المتبقي. التحذيرات تتصاعد من أن التهجير لن يتوقف عند القرى غير المعترف بها، بل سيطال مدناً كبرى مثل رهط وحورة إذا نجح مخطط “شيكلي” في مراحله الأولى. إن معركة النقب هي معركة على ما تبقى من جغرافيا فلسطينية داخل الخط الأخضر، وهي تتطلب ترجمة الشعارات إلى نضال جماهيري حقيقي وقادر على عرقلة الجرافات.

في الختام، يمثل مخطط “شيكلي” فصلاً جديداً من فصول النكبة المستمرة، حيث تصر إسرائيل على ممارسة إجرامها التاريخي بحق أصحاب الأرض الأصليين. صمود عرب النقب في أرضهم هو الصخرة التي تتحطم عليها هذه المؤامرات، لكن هذا الصمود يحتاج إلى إسناد وطني ودولي يفضح وجه الاحتلال القبيح الذي يسلب الأرض ويقتل الأمل في العيش الكريم. إن النقب اليوم يصرخ في وجه التطهير العرقي، فهل ينجح أهله في إفشال أكبر مخطط تهجير منذ عقود؟ الإجابة تكمن في صمود قرية العراقيب وأخواتها التي تهدم وتُبنى من جديد في كل مرة.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟