تشهد محافظة نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة، فصلاً جديداً من فصول إجرام الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يعد يكتفي بالرصاص، بل انتقل إلى استخدام النار واقتلاع الجذور كأدوات لترهيب السكان الأصليين وتدمير مقومات حياتهم. الهجمات الأخيرة التي شنها المستوطنون، مساء الثلاثاء، في قرية بيت أمرين واللبن الشرقية، تعكس استراتيجية ممنهجة لفرض واقع استيطاني جديد تحت حماية جيش الاحتلال، وبتشجيع من مناخات سياسية متطرفة تحكم المؤسسة الإسرائيلية.

نيران المستوطنين: من البؤر الاستيطانية إلى منازل المواطنين

في مشهد مأساوي يجسد وحشية الاعتداءات، انطلقت مجموعة من المستوطنين من بؤرة استيطانية غير شرعية مقامة فوق أراضي قرية “بيت أمرين” لاستهداف أطراف القرية. ولم يكن الهجوم عشوائياً، بل استهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر المادية والمعنوية؛ حيث أضرم المعتدون النار في منزل مأهول ومركبتين، مما حول ممتلكات المواطنين إلى رماد وسط محاولات يائسة من الأهالي العزل للتصدي لهذا الإجرام بصدورهم العارية.

هذا النوع من الهجمات، الذي يتم بتخطيط مسبق، يهدف إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين من أراضيهم المحاذية للمستوطنات، وهو جزء مما يسميه المراقبون “الإرهاب الاستيطاني المنظم” الذي يسعى لترسيم حدود جديدة للمستوطنات عبر النيران والترهيب الليلي.

حرب الزيتون: اقتلاع الجذور كأداة للإبادة الاقتصادية

لم يكتفِ المستوطنون بحرق الحجر، بل امتدت يد إجرام الاحتلال لتطال شجر الزيتون، الذي يمثل رمز الصمود والعمق التاريخي للفلسطينيين. ففي قرية اللبن الشرقية، وتحديداً في منطقتي الخان وواد علي، نفذ المستوطنون مجزرة بيئية واقتصادية بقطع أكثر من 150 شجرة زيتون مثمرة.

هذا الاعتداء ليس معزولاً عن سياق أوسع؛ إذ شهدت محافظة نابلس خلال الأيام الثلاثة الماضية اقتلاع أكثر من 500 شجرة زيتون ولوز، وتجريف 34 دونماً من الأراضي الزراعية. إن استهداف الشجر هو في جوهره محاولة لضرب الأمن الغذائي والاقتصادي للفلاح الفلسطيني، وتحويل الحقول الخضراء إلى أراضٍ بور يسهل الاستيلاء عليها لاحقاً تحت ذرائع “أراضي الدولة” أو توسعة المخططات الاستيطانية.

تصعيد منهجي: أرقام تكشف حجم الفظائع

تعكس المعطيات الرسمية الصادرة عن “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان” أن ما يحدث ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو انفجار في وتيرة العنف. ففي شهر مارس الماضي وحده، نُفذ أكثر من 497 اعتداءً، مما أسفر عن ارتقاء 9 شهداء. ومنذ تشرين الأول / أكتوبر 2023، دخلت الضفة الغربية في نفق مظلم من التنكيل؛ حيث استشهد 1154 فلسطينياً برصاص الجيش والمستوطنين، وأصيب قرابة 11 ألفاً و750 مواطناً.

هذه الأرقام المروعة تشير إلى أن هناك تفويضاً مطلقاً من حكومة الاحتلال للمستوطنين للعمل كأذرع أمنية غير رسمية، حيث يتكامل دور المستوطن الذي يحرق ويقطع مع دور الجندي الذي يحمي ويؤمن الانسحاب، مما يجعل الفلسطينيين في مواجهة منظومة إجرامية متكاملة الأركان.

الاستيطان كخيار استراتيجي لتقويض الدولة الفلسطينية

إن التصعيد في نابلس وضواحيها يندرج ضمن خطة اليمين المتطرف الرامية إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويل القرى والبلدات الفلسطينية إلى جزر معزولة وسط بحر من المستوطنات. إن حرق المنازل في بيت أمرين والاعتداء على الممتلكات في اللبن الشرقية هو رسالة واضحة بأن الاحتلال لا يعترف بأي خطوط حمراء، وأن “قانون الغاب” هو السائد في ظل غياب أي محاسبة دولية حقيقية.

الخلاصة: الصمود في مواجهة سياسة الرماد

أمام هذا الإجرام المتصاعد، يظل المواطن الفلسطيني متمسكاً بأرضه رغم النيران التي تلتهم منزله والمناشير التي تقطع أشجاره. إن حماية القرى الفلسطينية تتطلب اليوم أكثر من مجرد إدانات دولية؛ فهي تستدعي تدخلاً عاجلاً لوقف هذه الحرب المسعورة التي تستهدف البشر والشجر والحجر. فما يحدث في نابلس اليوم هو اختبار لضمير العالم أمام أبشع صور الظلم التاريخي، حيث تُحرق الأحلام وتُقتلع الجذور في محاولة بائسة لكسر إرادة شعب يرفض الرحيل عن أرض أجداده.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟