عاد شبح المجازر الوحشية ليخيم من جديد على قطاع غزة، في مشهد يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي لم يغادر يومًا منطق القتل الممنهج، حتى في لحظات الحديث عن تهدئة أو اتفاقات مرحلية. فخلال الساعات القليلة الماضية، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة مروعة بحق مدنيين فلسطينيين نازحين، بالتزامن مع تلويح سياسي إسرائيلي بتجميد الانتقال إلى المرحلة الثانية من “اتفاق غزة”، في رسالة لا تخلو من الابتزاز الدموي.

مساء الجمعة، استشهد ستة مدنيين فلسطينيين جراء قصف مدفعي إسرائيلي استهدف مركز تدريب تابع لوزارة التربية والتعليم في حي التفاح شرق مدينة غزة، كان يُستخدم كمركز إيواء لعائلات نازحة فرت من مناطق القتال المستمرة. القصف لم يكن عشوائيًا أو ناتجًا عن خطأ عسكري، بل جاء على منشأة مدنية معروفة، تؤوي أطفالًا ونساءً، في تكرار لنمط ثابت من استهداف أماكن يُفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ولم تتوقف الجريمة عند حدود القصف، إذ منعت قوات الاحتلال طواقم الإسعاف والإنقاذ من الوصول إلى مكان الاستهداف، ما أدى إلى تأخير إسعاف المصابين وترك بعض الجرحى ينزفون لساعات. هذا السلوك، الذي بات متكررًا في غزة، يحوّل الاستهداف العسكري إلى عملية قتل مركبة، تبدأ بالقصف وتنتهي بحرمان الضحايا من حقهم في العلاج والنجاة.

سياسة القتل بلا خطوط حمراء

تعكس هذه المجزرة مجددًا غياب أي خطوط حمراء لدى الاحتلال في تعامله مع المدنيين الفلسطينيين. فالمدارس، ومراكز الإيواء، والمستشفيات، لم تعد تشكل استثناءً أو مناطق محمية، بل تحولت إلى أهداف مباشرة ضمن سياسة تقوم على كسر المجتمع الفلسطيني بأكمله، ودفعه إلى حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار.

الخطير في الأمر أن هذه الجرائم تُرتكب في سياق حديث سياسي عن “اتفاق” و”مراحل” و”انتقال”، ما يفضح زيف الخطاب الإسرائيلي الذي يروج للتهدئة بينما يواصل القتل على الأرض. فالاحتلال يتعامل مع أي اتفاق باعتباره أداة تكتيكية لا أكثر، قابلة للتعليق أو الانتهاك متى ما اقتضت مصلحته العسكرية أو السياسية.

الدم كورقة تفاوض

في موازاة المجزرة، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن الحكومة قررت تجميد قراراتها المتعلقة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، بانتظار لقاء مرتقب بين رئيس حكومة الاحتلال والرئيس الأمريكي نهاية الشهر الجاري. هذا الربط الزمني بين التصعيد الميداني والقرار السياسي لا يمكن فصله عن استراتيجية إسرائيلية تقوم على استخدام الدم الفلسطيني كورقة ضغط تفاوضية.

فالرسالة واضحة: لا تقدم سياسي دون ثمن يُدفع من أرواح المدنيين، ولا التزام بمسار الاتفاق إلا وفق شروط الاحتلال وحده. وبذلك، يتحول الاتفاق من إطار يُفترض أن يخفف معاناة المدنيين، إلى أداة ابتزاز تُستخدم لتعزيز موقع الاحتلال على طاولة السياسة.

تعطيل متعمد لا خلاف تقني

الحديث عن “تجميد” المرحلة الثانية لا يبدو مرتبطًا بخلافات فنية أو تفاصيل تنفيذية، بل يعكس قرارًا سياسيًا متعمدًا بإبقاء الوضع في غزة مفتوحًا على التصعيد. فالاحتلال يسعى إلى إدارة الصراع لا إنهائه، وإلى إبقاء غزة تحت الضغط العسكري المستمر، مع هامش مناورة سياسي يسمح له بالتصعيد أو التهدئة وفق حساباته الداخلية والخارجية.

كما أن هذا النهج يخدم أهدافًا داخلية، تتعلق بمحاولة ترميم صورة الحكومة الإسرائيلية أمام جمهورها اليميني، عبر إظهار التشدد ورفض أي التزامات قد تُفسر كتنازل. وفي الوقت ذاته، يبعث برسالة إلى الوسطاء والمجعاة الدولية مفادها أن أي مسار سياسي سيبقى رهينة القرار الإسرائيلي وحده.

غزة بين المجزرة والابتزاز

ما جرى في حي التفاح ليس حادثة استثنائية، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإجرام الممنهج، الذي يجمع بين القتل الميداني والتعطيل السياسي. فغزة اليوم لا تواجه فقط القصف والدمار، بل تواجه أيضًا سياسة متعمدة لإفراغ أي تهدئة من مضمونها، وإعادة إنتاج العنف عند كل منعطف مفصلي.

في المحصلة، تؤكد المجزرة الأخيرة، وما رافقها من تلويح بتجميد المرحلة الثانية من الاتفاق، أن الاحتلال لا ينظر إلى الدم الفلسطيني كخط أحمر، بل كأداة ضغط ومساومة. وبينما تتراكم جثامين المدنيين تحت الأنقاض، يواصل الاحتلال فرض معادلته القديمة الجديدة: القوة أولًا، والاتفاقات مجرد تفصيل قابل للحرق متى شاء.

اقرأ أيضا : شتاء بلا خدمات ولا دواء.. غزة تواجه البرد بمنظومة صحية منهارة