في تصعيد جديد يعكس احتدام الصراع بين الإدارة الأمريكية والجامعات الكبرى، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع دعوى قضائية ضد جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، متهمة إياها بالتقاعس عن حماية موظفين يهود وإسرائيليين، وخلق “بيئة عمل عدائية معادية للسامية”، في سياق يرتبط مباشرة باحتجاجات واسعة دعمت القضية الفلسطينية داخل الحرم الجامعي.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع تتبعه الإدارة الجمهورية في مواجهة المؤسسات الأكاديمية، التي باتت تُتهم من قبل البيت الأبيض بالانحياز السياسي والفكري، وبتوفير منصات لما تعتبره “خطابات متطرفة” تهدد القيم الأمريكية التقليدية.

دعوى قانونية في سياق سياسي متوتر

رفعت وزارة العدل الأمريكية الدعوى في مدينة لوس أنجلوس، مطالبة بإلزام الجامعة بالتحقيق في شكاوى معاداة السامية، وتوفير تدريبات إلزامية حول سياسات مكافحة التمييز، إضافة إلى تعويضات مالية لأستاذين قالا إنهما تعرضا لمضايقات ذات طابع ديني وعرقي.

وتُمثل القضية حلقة جديدة في النزاع بين إدارة ترامب وولاية كاليفورنيا ذات التوجه الديمقراطي، والتي تُعد من أكثر الولايات انتقادًا لسياسات الرئيس، سواء في ملفات الهجرة أو البيئة أو التعليم أو الحريات العامة.

ويأتي هذا التحرك بعد محاولات سابقة لتجميد تمويل اتحادي بمئات الملايين من الدولارات للجامعة، على خلفية احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، قبل أن يتدخل القضاء لإجبار الإدارة على صرف تلك الأموال.

الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في قلب الأزمة

شهدت جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس خلال عام 2024 مظاهرات حاشدة، شارك فيها طلاب وأكاديميون ونشطاء، مطالبين بوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وإنهاء الدعم العسكري الأمريكي لتل أبيب، وسحب الاستثمارات من الشركات المرتبطة بإسرائيل.

ورفعت هذه الاحتجاجات شعارات تتعلق بحقوق الإنسان، ورفض الاحتلال، والمساءلة الدولية عن الجرائم المرتكبة في القطاع، ما أثار غضب الإدارة الأمريكية، التي وصفت تلك التحركات بأنها “معادية للسامية” و”داعمة للإرهاب”.

وترى إدارة ترامب أن هذه المظاهرات خلقت مناخًا عدائيًا داخل الحرم الجامعي، وأدت إلى تهميش الموظفين والطلاب اليهود، وهو ما استندت إليه في مرافعاتها القانونية.

بين معاداة السامية وحرية التعبير

تثير القضية جدلًا واسعًا حول الحدود الفاصلة بين مكافحة الكراهية الدينية، وحماية حرية التعبير السياسي. فالمحتجون، ومن بينهم مجموعات يهودية تقدمية، يؤكدون أن انتقاد سياسات إسرائيل لا يعني العداء لليهود، وأن الخلط بين الأمرين يُستخدم لقمع الأصوات المعارضة.

ويشير ناشطون إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى توسيع مفهوم “معاداة السامية” ليشمل أي انتقاد لإسرائيل، بما في ذلك المطالبة بوقف الحرب أو الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.

في المقابل، ترى الحكومة أن مناخ الاحتجاجات تجاوز النقد السياسي المشروع، وتحول في بعض الحالات إلى إساءات وتهديدات، ما يستدعي تدخلًا قانونيًا لحماية العاملين داخل المؤسسات التعليمية.

رد الجامعة ومحاولة احتواء الأزمة

ردت جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس على الدعوى بالتأكيد على أنها اتخذت خطوات عملية لمكافحة أي مظاهر تمييز، عبر إعادة هيكلة مكتب الحقوق المدنية، وتعيين مسؤولين مختصين، وإطلاق مبادرة مؤسسية لتعزيز ثقافة الاحترام والتنوع.

وأكدت إدارة الجامعة التزامها بالقوانين الفيدرالية، وبحماية جميع منتسبيها بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية، مشددة في الوقت نفسه على دعم حرية التعبير والنقاش المفتوح داخل الحرم الجامعي.

غير أن هذه الإجراءات لم تُقنع وزارة العدل، التي اعتبرت أنها جاءت متأخرة، ولا تعالج جذور المشكلة.

سياسة ترامب تجاه الجامعات: قمع أم إصلاح؟

لا يمكن فصل هذه القضية عن سياسة أوسع انتهجها ترامب تجاه الجامعات، شملت الضغط بسبب برامج التنوع، وسياسات المتحولين جنسيًا، ومبادرات المناخ، إضافة إلى النشاط السياسي الطلابي.

وترى منظمات حقوقية أن الإدارة تستهدف الجامعات بوصفها مراكز للمعارضة الفكرية، وتسعى إلى إخضاعها عبر سلاح التمويل والدعاوى القضائية، بما يهدد استقلاليتها الأكاديمية.

وتحذر هذه المنظمات من أن استخدام القضاء في الصراعات السياسية سيقود إلى تقويض حرية البحث والتعليم، وتحويل الجامعات إلى مؤسسات خاضعة للسلطة التنفيذية.

تداعيات محتملة على المشهد الأكاديمي الأمريكي

تمثل دعوى إدارة ترامب ضد جامعة كاليفورنيا سابقة قد تُفتح على إثرها ملفات مشابهة ضد جامعات أخرى، خاصة تلك التي شهدت نشاطًا داعمًا لفلسطين.

وقد تدفع هذه القضية إدارات الجامعات إلى فرض قيود أشد على الأنشطة الطلابية، خوفًا من العقوبات، ما سيؤثر على المناخ الديمقراطي داخل الحرم الجامعي.

في المحصلة، تعكس هذه المعركة القانونية صراعًا أعمق حول هوية التعليم العالي في الولايات المتحدة: هل يبقى فضاءً للنقاش الحر والتعددية، أم يتحول إلى ساحة مراقبة وملاحقة سياسية، تُدار وفق أجندات السلطة، لا وفق قيم المعرفة والاستقلال؟

اقرأ أيضًا : خطوة إماراتية.. السودان يدين استقبال أوغندا لقائد الميلشيا حميدتي المدعوم من أبو ظبي