في مشهد يكرر ذاته منذ سنوات، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية نقل النشطاء الذين كانوا على متن سفينة “مادلين” إلى مطار بن غوريون، تمهيدًا لترحيلهم إلى بلدانهم بعد أن سيطرت قوات الاحتلال على السفينة في عرض البحر واقتادتها إلى ميناء أسدود.

هذه العملية التي تمت فجر الأمس، أثارت موجة انتقادات وطرحت مجددًا أسئلة حول شرعية الممارسات الإسرائيلية في المياه الدولية وحق الشعوب في التعبير السلمي عن تضامنها مع غزة.

قرصنة بحرية مقنّعة

رغم أن السلطات الإسرائيلية سعت لتظهير العملية كإجراء أمني “سلس” و”قانوني”، فإن المعطيات تشير إلى ممارسة قرصنة بحرية مكتملة الأركان. السفينة كانت تبحر في المياه الدولية، وتحمل مساعدات إنسانية بحتة موجهة إلى سكان قطاع غزة الذين يعانون من حصار خانق منذ أكثر من 17 عامًا، ومع ذلك اعترضتها قوات كوماندوز تابعة للبحرية الإسرائيلية، وصعدت إليها بالقوة وسحبتها إلى ميناء أسدود.

هذا التدخل العسكري لا يمكن فصله عن ممارسات الاحتلال الممنهجة في قمع أي محاولة لفضح سياساته أو تخفيف معاناة سكان غزة. السفينة “مادلين” التي كانت جزءًا من أسطول الحرية الجديد، حملت على متنها 12 متطوعًا دوليًا جاؤوا من دول مختلفة للتعبير عن تضامنهم الإنساني، لا السياسي أو العسكري، مع الشعب الفلسطيني المحاصر.

تبريرات إسرائيلية فارغة

في تبريراتها الرسمية، سعت الخارجية الإسرائيلية إلى نزع الشرعية عن النشطاء، ووصفتهم بأنهم “لا ساميون” لأنهم رفضوا مشاهدة فيلم دعائي عن معاناة اليهود. هذا الأسلوب ليس بجديد، إذ دأبت الحكومات الإسرائيلية على ربط كل أشكال التضامن مع الفلسطينيين بالعداء للسامية، محاولة خلط الأوراق وتحويل النقاش من حقوق الإنسان إلى معركة وجودية مزعومة.

كما نقلت الصحافة الإسرائيلية تصريحات منسوبة إلى مسؤولين عسكريين أكدوا أن العملية تمت “بسلام ودون إصابات”، وهي رواية تسعى إلى تهدئة الرأي العام الدولي، لكنها تتجاهل أن مجرد اعتراض السفينة يشكل انتهاكًا للقانون الدولي البحري، وأن احتجاز النشطاء واستجوابهم وترحيلهم بالقوة هو انتهاك صريح للحق في التعبير والتنقل.

قمع منهجي ودعاية مكثفة

إجراء آخر كاشف لمستوى القمع هو ما أعلنه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي أوعز لمصلحة السجون بمنع إدخال أي وسيلة تواصل إلى أماكن احتجاز النشطاء، في محاولة لعزلهم ومنع تسريب شهاداتهم عن ما جرى. هذا القرار يعكس قلق المؤسسة الإسرائيلية من أن تتحول هذه القضية إلى فضيحة دولية أو أن تتكرر سيناريوهات إحراج الاحتلال كما حدث سابقًا في قضية سفينة “مافي مرمرة” عام 2010.

ما يدعو للتأمل أيضًا هو توقيت العملية، الذي يتزامن مع تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب عدوانها المستمر على غزة، ومع تحركات قانونية في محكمة العدل الدولية تتهمها بارتكاب إبادة جماعية. في هذا السياق، تسعى تل أبيب إلى خنق أي فعل تضامني يمكن أن يثير تعاطفًا عالميًا مع سكان القطاع، مستخدمة أذرعها الأمنية والإعلامية لتضليل الرأي العام.

تحدي الحصار أم إثبات الهيمنة؟

إسرائيل تعاملت مع سفينة “مادلين” ليس كتهديد عسكري بل كاختبار سياسي، وكانت حريصة على منعها من الوصول إلى غزة بأي ثمن، لأن ذلك سيشكل كسرًا معنويًا لحصارها وقد يعطي دفعة رمزية للحملات الدولية المناهضة لها. لذلك كان التعامل مفرطًا في الحزم، رغم الطابع المدني الواضح للرحلة.

ترحيل النشطاء بهذه السرعة، مع فرض توقيعهم على تعهدات بالامتثال لشروط الترحيل، يكشف رغبة إسرائيلية في طمس الحدث وتجنب أي تفاعل دولي يمكن أن يحرجها. أما من يرفض التوقيع، فتُهدد بعرضه على القضاء، في مشهد يفتقد لأي عدالة حقيقية ويُستخدم فيه القضاء كأداة للتغطية على قرارات أمنية تعسفية.

ما بعد مادلين: نداء جديد للحقيقة

ما جرى مع “مادلين” ليس مجرد حدث عابر، بل هو رسالة واضحة من الاحتلال بأن كل من يحاول الوقوف إلى جانب الفلسطينيين – حتى بشكل سلمي – سيكون عرضة للعقاب. لكنه أيضًا دليل على استمرار الاهتمام العالمي بقضية غزة، رغم محاولات التعتيم والقمع.

يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع العالم أن يتجاوز الإدانات الشكلية ويتحرك فعليًا لإنهاء هذا الحصار المفروض على أكثر من مليوني إنسان؟ أم ستظل إسرائيل تمارس قمعها في عرض البحر وعلى اليابسة بلا مساءلة؟

اقرأ أيضًا : من السودان إلى غزة.. أذرع الإمارات تعبث بالدم العربي!