لم تعد الإقالات المفاجئة في مؤسسات الدولة السعودية مجرد تغييرات روتينية كما تحاول السلطات تصويرها. إقالة ثلاثة مسؤولين كبار في القطاع الدفاعي، بينهم رئيس الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) ونائب رئيس مجلس إدارة الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI)، تكشف بوضوح حجم الفشل والإحباط الذي يلاحق مشروع محمد بن سلمان الطموح لتوطين 50% من الإنفاق العسكري بحلول 2030. ما حدث في 17 أغسطس 2025 لم يكن مجرد “إعادة هيكلة”، بل إعلان صامت عن انهيار أهم ركيزة من ركائز رؤية 2030.
زلزال إداري أم اعتراف بالفشل؟
القرارات الملكية التي أطاحت بكل من:
- طلال بن عبدالله العتيبي (مساعد وزير الدفاع)،
- محمد بن حمد الماضي (رئيس GAMI)،
- غسان بن عبدالرحمن الشبل (مستشار بالأمانة العامة لمجلس الوزراء ونائب رئيس SAMI)،
جاءت دون تبريرات مقنعة. الإعلام الرسمي اكتفى بعبارة فضفاضة عن “تحسين الكفاءة”. لكن المراقبين الدوليين، وعلى رأسهم الصحفي فرانشيسكو سكيافي في المونيتور، ربطوا هذه الإقالات مباشرة بحالة إحباط من بطء إنجازات السعودية في ملف الصناعات الدفاعية.
فكيف يُعقل أن تتم إزاحة رأس الهيئة المسؤولة عن إدارة أكبر برنامج توطين عسكري في تاريخ المملكة قبل خمس سنوات فقط من موعد 2030، إذا لم يكن ذلك إقرارًا ضمنيًا بفشل الخطة؟
وعود طموحة بلا أساس واقعي
منذ إطلاق رؤية 2030، جرى تضخيم قطاع الصناعات الدفاعية بوصفه “جوهرة التاج” في التحول الوطني. محمد بن سلمان أعلن عام 2017 أن نصف الإنفاق العسكري السعودي – الذي يتجاوز 70 مليار دولار سنويًا – سيُوجّه للصناعة المحلية بدلًا من الخارج.
لكن الأرقام تكشف فضيحة:
- حتى 2023، لم يتجاوز توطين الصناعات العسكرية 7% فقط.
- في 2024، جرى الإعلان عن ارتفاع النسبة إلى 13%، لكن دون أدلة أو تفاصيل شفافة.
التقارير الغربية أكدت أن السعودية لا تزال واحدة من أكبر مستوردي السلاح في العالم، وتعتمد بشكل شبه مطلق على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
بهذا المعدل، لن تقترب الرياض حتى من نصف الهدف المعلن، ما يعني أن الحديث عن 50% بحلول 2030 ليس إلا شعارًا دعائيًا.
بيروقراطية متضخمة وغياب الخبرة
أحد الأسباب الجوهرية للفشل يكمن في البيروقراطية المفرطة التي غرقت فيها مؤسسات مثل GAMI وSAMI. بدلًا من أن تكون منصات تطوير صناعي، تحولت إلى واجهات دعائية، تتكدس فيها مجالس الإدارة المليئة بالموالين والأمراء، وتغيب عنها الكفاءات التقنية.
المهندسون والخبراء الأجانب الذين تم استقطابهم عبر عقود باهظة لم يصمدوا طويلاً أمام غياب بيئة البحث والتطوير الجادة. النتيجة: صفقات مليارية، مصانع فارغة، خطوط إنتاج محدودة لا تتعدى تجميع بعض القطع المستوردة.
الإقالات الأخيرة تعكس هذه الأزمة. فالمسؤولون الذين روّجوا قبل عام فقط لإنجازات “كبرى” في التوطين وجدوا أنفسهم الآن خارج المشهد، بعدما انكشفت الوعود أمام الواقع.
التبعية العسكرية باقية
السعودية رغم إنفاقها العسكري الضخم لا تزال عاجزة عن تصنيع حتى الأسلحة الأساسية. الطائرات تُشترى جاهزة من الولايات المتحدة، الدفاعات الجوية تعتمد على الباتريوت الأمريكي، والدبابات والمدرعات أوروبية الصنع.
محاولات نقل التكنولوجيا فشلت بسبب رفض الشركات الغربية منح الرياض الملكية الفكرية أو تقنيات حساسة. وبما أن السعودية تفتقر إلى قاعدة بحث علمي وصناعي راسخة، بقيت أسيرة عقود الصيانة والتجميع، لا أكثر.
هذا يفسر لماذا ترى بعض التقارير الغربية أن خطة التوطين مجرد ستار سياسي لزيادة الإنفاق الداخلي عبر شركات شكلية، وليس مشروعًا حقيقيًا للاستقلال العسكري.
هدر المليارات بلا عائد
منذ 2018، ضُخت عشرات المليارات من صندوق الاستثمارات العامة في شركات مرتبطة بالصناعات العسكرية. لكن العائد كان هزيلًا. لا مصانع متقدمة، لا صادرات دفاعية، ولا حتى قدرة ذاتية على تلبية جزء من الطلب المحلي.
وفي ظل هذه النتائج، لم يعد أمام الحكومة سوى التضحية بالمسؤولين الكبار لتبرير الفشل، بدلًا من مواجهة الأسئلة الأعمق حول جدوى المشروع بأكمله.
ماذا وراء التوقيت؟
التوقيت يطرح أسئلة صعبة: لماذا الآن؟
الإجابة ترتبط على الأرجح بتصاعد الضغوط الدولية على السعودية بشأن حرب غزة والدعم العسكري غير المباشر لإسرائيل عبر شركاء إقليميين. في مثل هذا المناخ، كان لا بد من إعادة رسم صورة المؤسسات الدفاعية السعودية، حتى لو اقتضى الأمر التضحية ببعض الأسماء.
هذه الإقالات ليست حدثًا إداريًا عابرًا، بل جرس إنذار لفشل منظومة كاملة. رؤية 2030 التي قدّمت نفسها كخارطة طريق للحداثة والتفوق الصناعي، تجد نفسها اليوم مكشوفة:
لا تنويع اقتصادي حقيقي.
لا استقلال عسكري ملموس.
استمرار الاعتماد على الخارج حتى في أبسط الاحتياجات الدفاعية.
إنها صورة قاسية لبلد يحاول التظاهر بالقوة بينما يقف عاريًا أمام الحقائق.
نفاق رسمي وتبريرات واهية
البيانات الرسمية تحدثت عن “تحسين الكفاءة”، لكن أي مراقب يعلم أن السبب الحقيقي هو الفشل المزمن في التوطين. لو كان هناك نجاح، لكانت هذه الأسماء تُكرَّم لا تُقال.
الواقع أن النظام يواصل سياسة الإنكار: يطيح بمسؤولين صغار أو متوسطين لإلقاء اللوم عليهم، بينما يبقى جوهر المشكلة في غياب الإرادة السياسية لتأسيس صناعة حقيقية بدلًا من الاعتماد على الاستعراض الإعلامي.
نهاية الحلم الدفاعي؟
السؤال الذي يطرحه المراقبون اليوم: هل تعني هذه الإقالات أن السعودية تستسلم ضمنيًا لفشل مشروع التوطين العسكري؟
المعطيات تشير إلى ذلك. فالزمن يمر، والأهداف العملاقة لم تتحقق، والمليارات تبخرت بلا نتيجة. وحتى إذا استمرت الدولة في إنفاق المزيد، فإن غياب الشفافية والاعتماد الكلي على الخارج يجعلان من المستحيل بلوغ 50% توطينًا خلال خمس سنوات.
جيش من الشعارات بلا صناعة
ما تكشفه إقالات 17 أغسطس هو أن السعودية بنت حول نفسها جدارًا من الشعارات: “الاكتفاء الذاتي”، “توطين السلاح”، “النهضة الدفاعية”. لكن خلف الجدار لا يوجد سوى بيروقراطية متضخمة، وصفقات فاشلة، ووزراء يسقطون واحدًا تلو الآخر.
الرسالة واضحة: المملكة التي تدّعي أنها قوة إقليمية صاعدة لا تزال تعتمد على الحماية الأمريكية والغربية بشكل شبه كامل. أما حلم الصناعات العسكرية الوطنية، فقد تحول إلى مجرد واجهة دعائية منهارة، أُهدر فيها المال، وسقطت معها سمعة رؤية 2030 في أوضح صورها.