في مشهد يعكس الأولويات المختلة لسياسات محمد بن سلمان، أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي عن تكفله بتقديم إجازة أمومة مدفوعة لمدة عام كامل للاعبات التنس الأوروبيات، إلى جانب تحمل تكاليف علاج العقم، وعمليات التبويض والتلقيح الصناعي لمن يحتجن إلى ذلك.
هذه الخطوة تأتي في إطار جهود المملكة المستمرة لاستغلال الرياضة في تحسين صورتها عالميًا، في الوقت الذي تعاني فيه النساء السعوديات من أوضاع معيشية متدهورة، ويفترشن الشوارع لبيع المنتجات البسيطة من أجل تأمين لقمة العيش، دون أدنى حماية أو دعم حكومي.
هذه السياسات ليست جديدة، فقد اتجهت السعودية في السنوات الأخيرة إلى استغلال الرياضة كوسيلة لغسيل سمعتها على الساحة الدولية، وضخّت مليارات الدولارات في استثمارات رياضية لم تحقق أي منفعة مباشرة للمواطن السعودي، بينما فرضت الحكومة ضرائب باهظة، ورفعت الأسعار، وضيقت الخناق على الأعمال الصغيرة، مما زاد من معدلات الفقر والبطالة في المجتمع.

المواطن السعودي يدفع الثمن
بينما يستمر النظام السعودي في إهدار الأموال العامة على استقطاب الرياضيين الأجانب ودعم بطولات رياضية غير ضرورية، يعاني المواطن العادي من تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي.
فقد شهدت المملكة ارتفاعًا غير مسبوق في الضرائب والرسوم المفروضة على الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، المياه، الوقود، وحتى الضريبة المضافة التي تضاعفت ثلاث مرات خلال فترة قصيرة، مما أثر بشكل مباشر على القوة الشرائية للسعوديين.
تحت هذه الظروف القاسية، أصبحت النساء السعوديات أكثر الفئات تضررًا، حيث اضطر العديد منهن إلى العمل كبائعات متجولات في الأسواق الشعبية أو حتى على الأرصفة، وسط غياب أي برامج دعم حقيقية من الحكومة، التي تدّعي تبني سياسات تمكين المرأة، بينما تركز جهودها الفعلية على دعم النساء الغربيات في البطولات الرياضية الكبرى.
يقول ناشط اقتصادي سعودي أن “ما يحدث اليوم هو استغلال فج لموارد الدولة في تلميع صورة محمد بن سلمان عالميًا، يتم فرض الضرائب على المواطنين بحجة الإصلاح الاقتصادي، بينما يتم إنفاق الأموال الطائلة على لاعبات تنس أوروبيات، لا علاقة لهن بالمملكة، ولا تعود فائدتهن بأي شكل على الاقتصاد السعودي أو المجتمع المحلي.”
مليارات الدولارات تهدر على الجولف والتنس
لا تقتصر الاستثمارات السعودية في الرياضة العالمية على دعم لاعبات التنس فقط، بل تمتد إلى قطاعات رياضية أخرى، مثل رياضة الجولف التي استنزفت ميزانيات ضخمة، حيث أنفق صندوق الاستثمارات العامة مئات الملايين من الدولارات على تنظيم بطولات الجولف واستقطاب أبرز اللاعبين العالميين.
كما قامت المملكة بشراء أندية رياضية أوروبية، وعقد صفقات خيالية مع نجوم كرة القدم، في خطوة تهدف إلى تعزيز مكانة السعودية كوجهة رياضية عالمية، بغض النظر عن الأوضاع الاقتصادية المتردية داخل البلاد.
اللافت في الأمر أن محمد بن سلمان يحاول استخدام الرياضة كأداة لغسل السمعة، خاصة بعد سلسلة الانتقادات الدولية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، وقمع المعارضين، وتكميم الأفواه. ومن خلال تقديم مثل هذه العروض المغرية للرياضيين، يحاول النظام السعودي استقطاب الدعم العالمي، وتشتيت الانتباه عن المشاكل الداخلية.
في المقابل، يعاني السعوديون من أزمة إسكان حادة، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وتراجع جودة الخدمات الصحية والتعليمية، في ظل سياسة التقشف التي تفرضها الحكومة على المواطنين، بينما تنفق ببذخ على المشاهير والرياضة الدولية.
هل ينفق صندوق الاستثمارات السعودي الأموال في المكان الصحيح؟
في حين أن الدول المتقدمة تستثمر أموالها في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والبحث العلمي، تتجه السعودية إلى إهدار أموالها في مشاريع رياضية ترفيهية لا تضيف شيئًا للاقتصاد الوطني.
صندوق الاستثمارات العامة، الذي يُفترض أن يكون أداة لدعم الاقتصاد المحلي، بات أشبه بمؤسسة هدفها شراء الشهرة العالمية للقيادة السعودية على حساب الشعب.
ويتساءل المواطن العادي:
- لماذا تخصص المملكة أموالًا طائلة لدعم رفاهية الرياضيات الأوروبيات، بينما تعاني المرأة السعودية من غياب أبسط حقوقها؟
- لماذا يُطالب السعوديون بشد الأحزمة وتحمل أعباء التقشف، بينما تُنفق ثروات البلاد على لاعبي الجولف والتنس الأجانب؟
- لماذا ترفع الحكومة الضرائب على السعوديين، بينما توزع الأموال بسخاء على الرياضيين الأجانب؟
الحقائق واضحة: محمد بن سلمان يسخّر موارد الدولة لغسيل سمعته عالميًا، بينما يتحمل الشعب وحده أعباء السياسات الاقتصادية الفاشلة.
وبينما يتمتع لاعبو التنس والجولف برواتب خيالية، وإجازات مدفوعة، ورعاية صحية متكاملة، يبقى المواطن السعودي يعاني من ارتفاع الأسعار، وتآكل الأجور، وانخفاض مستوى المعيشة، دون أي تحرك حكومي لمعالجة الأزمات الحقيقية التي تواجه المجتمع.
في النهاية، هذه السياسات تضع السعودية أمام مفارقة غريبة: نظام يسعى ليكون لاعبًا رئيسيًا في عالم الرياضة، بينما يعاني مواطنوه من الفقر، والبطالة، وتردي الخدمات الأساسية. فهل تستمر هذه السياسات، أم أن الشعب السعودي سيطالب بمحاسبة المسؤولين عن هذا الهدر المالي الفاضح؟
اقرأ أيضًا : بن سلمان يستثمر في شركة دعمت حرب الإبادة على غزة.. هل يمهد لإعلان التطبيع؟