في خطوة تُظهر بوضوح تصاعد سياسة الترهيب التي تنتهجها أبوظبي تجاه النشطاء السودانيين، أعلنت تنسيقية لجان الفاشر أن دولة الإمارات—التي يصفها البيان بـ”دولة العدوان”—أقدمت على اختطاف عضو لجنة مقاومة صالحة المركزية والناطق الرسمي باسمها، نادر مريود، وذلك بعد نشر اللجنة بيانًا تضامنيًا مع أهالي الفاشر الذين يواجهون واحدة من أعنف الهجمات التي شهدتها دارفور منذ اندلاع الحرب.
هذه الحادثة تأتي امتدادًا لسلسلة طويلة من الانتهاكات التي باتت الإمارات ترتكبها ضد النشطاء السودانيين، في الداخل والخارج، في محاولة لإسكات الأصوات المناهضة لدورها المريب في الأزمة السودانية.

اختطاف مريود: جريمة سياسية أم رسالة ترهيب؟
بحسب بيان لجان صالحة، فإن اختطاف نارد مريود لم يكن حادثًا عابرًا، بل عملية استهداف سياسي مباشر جاءت بعد ساعات فقط من إصدار اللجنة بيانًا تضامنيًا مع أهالي الفاشر الذين يواجهون حصارًا وتجويعًا وقصفًا متواصلًا من قبل قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا.
المفارقة الصارخة التي يبرزها بيان اللجنة تتمثل في أن الإمارات—التي تتقدم في الوقت ذاته بخريطة طريق للسلام ضمن ما يسمى بالرباعية—تمارس أعمالًا وصفها البيان بأنها “صيد الوحوش” و”تكميم الأفواه” و”الاختطاف القسري”.
هذا التناقض يعكس بوضوح عدم أهلية أبوظبي للعب أي دور سياسي في مسار السلام السوداني، كما يعكس ازدواجيتها الأخلاقية والسياسية.
الإمارات… حين تتحدث عن السلام وتمارس القمع
من المؤسف، وربما من العبث السياسي، أن دولة تسوّق نفسها كقوة استقرار إقليمي تتورط في دعم جماعات مسلحة في السودان، وتدير عبر شبكاتها اللوجستية والعسكرية واحدة من أخطر الحروب الأهلية بالمنطقة.
فبينما تجلس أبوظبي على طاولات الوساطة وتطرح مبادرات للسلام، فإنها في الواقع تقوم—بحسب شهادات منظمات أممية وتقارير غربية—بدعم عمليات عسكرية تسببت في تشريد الملايين وارتكاب انتهاكات واسعة النطاق.
وعلى الصعيد السياسي، باتت الإمارات تتدخل بشكل مباشر في العمل المدني السوداني، من خلال الاعتقالات والاختطاف القسري وملاحقة الأصوات التي تفضح دورها في دعم الحرب.
اختطاف مريود ليس الأول، ولن يكون الأخير على ما يبدو.
محمد فاروق… المختطف الذي لا يزال في غياهب السجون الإماراتية
قبل نادر مريود، اختطفت السلطات الإماراتية السياسي السوداني المعروف محمد فاروق، دون أي مسوّغ قانوني واضح، واحتُجز في أقبية أمنية إماراتية لمدة طويلة دون تقديمه إلى محاكمة عادلة أو السماح لأسرته ومحاميه بالوصول إليه.
هذه الحوادث ليست مجرد تجاوزات فردية، بل سياسة ممنهجة تعكس رؤية أبوظبي تجاه أي صوت ديمقراطي مستقل، سواء كان سودانيًا، إماراتيًا، أو عربيًا عمومًا.
ففي الوقت الذي تطالب فيه الإمارات القوى السودانية بالتوافق والتهدئة، فإنها تمارس أسوأ أشكال الإملاء السياسي من خلال ترهيب واختطاف الشخصيات النشطة.
المشيخة الوراثية… من العصور الوسطى إلى هندسة الخرائط السياسية
يذهب بيان لجان صالحة إلى أبعد من مجرد الإدانة، واصفًا الإمارات بأنها “مشيخة وراثية لم تبارح العصور الوسطى”، وهي عبارة شديدة الدلالة على طبيعة النظام السياسي الذي يحكم الإمارات:
دون أحزاب، دون نقابات، دون مساحة للرأي العام، ودون أي شكل من أشكال التعددية.
فالإمارات التي تقدّم نفسها كقوة إقليمية حديثة، لا تزال—بحسب البيان—تستند إلى منظومة حكم تقوم على القمع ومنع الحريات وملاحقة المواطنين الطامحين إلى الديمقراطية.
كما اتهم البيان الإمارات بتحويل الحياة السياسية إلى بازار ضخم للأمراء والرأسمالية المافيوزية، في ظل غياب مؤسسات شعبية حقيقية أو مراقبة مستقلة.
“مشروع حماية السودان”: تضامن كامل مع المختطفين وتحميل الإمارات المسؤولية
وفي ختام البيان، أعلن مشروع حماية السودان تضامنه الكامل مع لجان صالحة ومع أسرة المختطف نارد مريود، محمّلًا الإمارات المسؤولية الكاملة عن سلامته، وداعيًا القوى الثورية والديمقراطية في السودان إلى الاستمرار في فضح عمليات الاختطاف القسري ومنع تحويل الساحة السياسية السودانية إلى امتداد لأجهزة الأمن الإماراتية.
هذه الرسالة تؤكد أن ما يحدث لم يعد مجرد صراع داخلي سوداني، بل عملية استعمار سياسي تُدار عبر وكلاء، وتمتد إلى محاولة السيطرة على أصوات المقاومة المدنية.
خلاصة تحليلية
اختطاف نارد مريود لا يمكن فصله عن الدور الإماراتي الأوسع في حرب السودان.
الرسالة واضحة:
كل من ينتقد دور أبوظبي، أو يتضامن مع ضحايا جرائم الحرب في دارفور—الفاشر تحديدًا—سيكون هدفًا للملاحقة.
هذا السلوك يعكس أن الإمارات باتت طرفًا لا يبحث عن السلام، بل عن هندسة سياسية تخدم مصالحها في الذهب والموانئ والسلاح، ولو كان الثمن هو تحويل السودان إلى ساحة حرب بلا نهاية.
وفي ظل هذه الممارسات، يصبح أي حديث عن مبادرات إماراتية للسلام مجرد غطاء سياسي لجرائم مستمرة تستهدف الإنسان السوداني وحقه الطبيعي في الحرية والديمقراطية.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يستعد للمجازر من جديد.. زامير يلوّح بهجوم واسع و”الخط الأصفر“ يتحوّل إلى أداة تطويق وسيطرة