في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات المروّعة في السودان، قُتل خمسة مدنيين وأُصيب العشرات بجروح متفاوتة جراء قصف شنّته قوات الدعم السريع على مسجد “الرضوان” بحي حلة كوكو في محلية شرق النيل بالعاصمة الخرطوم، أثناء أداء صلاة التراويح. 

الجريمة التي وثّقتها منظمة “محامو الطوارئ” ونددت بها حكومة ولاية الخرطوم، وقعت في منطقة مدنية خالية تمامًا من أي وجود عسكري، ما يعكس النية المبيّتة لاستهداف المدنيين في أكثر لحظاتهم قدسية وأمانًا.

المنظمة وصفت الحادث بأنه “استهداف مباشر لدور العبادة والمدنيين العزل”، مؤكدة أن ذلك يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا سيّما أن الموقع لا يشكل أي أهمية عسكرية، ما يدلّ على النهج المتعمد لقوات الدعم السريع في ارتكاب الفظائع وبث الرعب بين السكان لدفعهم نحو النزوح القسري.

نزوح جماعي من شمال دارفور

وفي تطور موازٍ يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان، أعلنت منظمة الهجرة الدولية عن نزوح 15 ألف أسرة خلال يومي الخميس والجمعة فقط من بلدة “المالحة” في ولاية شمال دارفور، بسبب اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

المالحة، التي تقع على بعد 200 كيلومتر من مدينة الفاشر، تُعد ذات أهمية استراتيجية كبرى كونها نقطة عبور إلى الصحراء الكبرى وشمال السودان، إلى جانب قربها من الحدود الليبية. 

النزوح الجماعي من هذه البلدة لا يُعدّ حالة معزولة، بل يندرج ضمن نمط واسع من التهجير القسري الذي تشهده مناطق عدة في السودان نتيجة الحرب المتواصلة منذ أكثر من عام، والتي أسفرت بحسب تقديرات الأمم المتحدة عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص، وتشريد نحو 15 مليونًا داخل البلاد وخارجها.

أصابع إماراتية وراء الكارثة

في خضم هذه التطورات الدامية، تتجه الأنظار مجددًا نحو الدور الإماراتي المثير للجدل في تأجيج الصراع في السودان، عبر دعمها العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”.

تقارير حقوقية وإعلامية عديدة، بعضها صادر عن وكالات استخبارات غربية، أكدت أن الإمارات قدمت دعمًا مباشرًا عبر إرسال شحنات أسلحة ومعدات عسكرية إلى ميليشيات الدعم السريع، بعضها عبر طرق التفافية مرورًا بليبيا وتشاد. 

هذا الدعم لم يُستخدم سوى في تنفيذ عمليات قصف عشوائي، وارتكاب جرائم إبادة جماعية في إقليم دارفور، واستهداف المدنيين في المدن الكبرى كالعاصمة الخرطوم ومدينة ود مدني بولاية الجزيرة. 

التواطؤ الإماراتي مع حميدتي، وفق مراقبين، يهدف إلى تعزيز نفوذ أبو ظبي في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي عبر أدواتها المسلحة، حتى لو كان ذلك على حساب دماء السودانيين وخراب دولتهم. 

وفي ظل صمت دولي مخزٍ، تستمر الميليشيات المدعومة إماراتيًا في تقويض أي أفق للحل السلمي، بينما يتكشّف كل يوم حجم الكارثة الإنسانية التي تُرتكب بحق شعب يُذبح في وضح النهار.

مسار الانهيار أم فرصة للمحاسبة؟

ما يحدث اليوم في السودان، من استهداف لدور العبادة إلى تهجير جماعي للمدنيين، ليس فقط جرائم حرب، بل هو تنفيذ صريح لسياسات تطهير عرقي ومذابح منظمة، تغذيها أطراف إقليمية لها أطماعها الخاصة. 

دعم الإمارات لقوات الدعم السريع يفتح الباب أمام مساءلة دولية، إذا ما تحرّك الضمير العالمي والمجتمع الدولي لإنهاء مسلسل الانهيار في السودان. 

وحتى يتحقق ذلك، تبقى المساجد في مرمى النيران، والآلاف من الأسر في دروب التهجير، تنتظر من ينتصر لكرامتها وحقها في الحياة.

اقرأ أيضًا : مصر في مرمى الابتزاز.. كيف يحاول بن زايد إحياء المخطط الأمريكي لطرد الفلسطينيين من غزة؟