في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها المملكة العربية السعودية في عهد ولي العهد محمد بن سلمان، وافق مجلس الوزراء السعودي على تعديل نظام تملك غير السعوديين للعقار، ليشمل ولأول مرة إمكانية التملك في مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة. ورغم تأكيد المسؤولين أن هذا التعديل يخضع لضوابط دقيقة ويُخصّ فقط مشاريع استثمارية كبرى، إلا أن القرار فجّر جدلا واسعا، لا سيما في ظل تساؤلات حول مدى دستورية التوسع في بيع أراضٍ وعقارات ضمن أقدس مدن المسلمين.

توسيع التملك في ظل مأزق اقتصادي

القرار الجديد الذي أُقرّ خلال جلسة لمجلس الوزراء ترأسها محمد بن سلمان في جدة، يأتي في توقيت حساس تمر فيه المملكة باضطراب اقتصادي ناتج عن تذبذب أسعار النفط، وتفاقم مستويات الدين العام، بالإضافة إلى تحديات تنفيذ “رؤية 2030” الطموحة. وفي هذا السياق، صرّح وزير الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ماجد الحقيل، أن التعديل يهدف إلى “رفع المعروض العقاري، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة”، وهي إشارات واضحة إلى محاولة سدّ العجز المتزايد في السوق العقاري المحلي، عبر تدفق أموال أجنبية.

التعديل – بحسب نصوصه – لا يتيح تملك الأراضي والعقارات للأجانب بشكل مطلق، بل ضمن “نطاقات جغرافية محددة”، مع اشتراطات خاصة في مكة والمدينة. لكن ذلك لم يمنع المتابعين من الربط بين هذه الخطوة والتحولات الاقتصادية التي فرضت على المملكة الانفتاح الواسع لتأمين السيولة وتوفير فرص عمل، ولو على حساب بعض القيم الدينية والاجتماعية الراسخة.

قلق شعبي وتساؤلات حول قدسية الحرمين

القرار فجّر ردود فعل حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كثير من السعوديين والعرب عن قلقهم من إقحام أماكن مقدسة، مثل مكة والمدينة، في دائرة الاستثمار العقاري الأجنبي. وبرزت أسئلة حول ما إذا كان القرار يشمل غير المسلمين، لا سيما في ظل غياب نص صريح يمنعهم من التملك في هاتين المدينتين.

وتعليقا على هذه المخاوف، قال خالد الربيش، مدير تحرير الاقتصاد في صحيفة “الرياض”، إن التملك في مكة والمدينة سيكون “للمسلمين فقط”، وفي “مشاريع كبرى محددة مثل مشروع مسار مكة”، لكنه لم يوضح كيفية التحقق من هوية المتملكين أو الجهات المسؤولة عن تنفيذ هذه الشروط، ما يزيد الشكوك حول مدى الالتزام بالضوابط.

في السياق نفسه، أكدت الهيئة العامة للعقار أن التعديلات ستدخل حيّز التنفيذ في يناير 2026، بعد إصدار اللائحة التنفيذية التي ستُنشر على منصة “استطلاع”، خلال 180 يومًا من نشر النظام في الجريدة الرسمية. وستحدد هذه اللائحة التفاصيل المتعلقة بإجراءات التملك، ومتطلبات التنفيذ، وآليات الامتثال.

الاقتصاد أولًا.. ولكن بأي ثمن؟

هذه التعديلات تعكس عمق التحول في السياسات الاقتصادية والاجتماعية للمملكة تحت قيادة محمد بن سلمان، الذي يسعى منذ عام 2016 لإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط. ومع أن جذب الاستثمارات العقارية الأجنبية يعتبر خطوة طبيعية في أي اقتصاد حر، فإن استهداف مدن ذات حساسية دينية عالية يضع الحكومة السعودية في مواجهة مباشرة مع جزء كبير من الرأي العام المحلي والإسلامي.

ويذهب بعض المحللين إلى أن التعديلات الأخيرة ما هي إلا حلقة ضمن سلسلة من التنازلات التي تضطر لها الدولة السعودية لإنقاذ مشاريعها العملاقة، كنيوم ومشاريع البحر الأحمر، التي لم تحقق حتى الآن العائدات المأمولة، بل وتحولت إلى عبء على الموازنة العامة في ظل ضعف الإقبال الاستثماري، ومخاوف المستثمرين من البيئة الحقوقية والقضائية في المملكة.

خاتمة: اختبار التوازن بين القداسة والمصالح

في الوقت الذي تسعى فيه السعودية لإثبات قدرتها على التحديث والانفتاح، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على توازن دقيق بين الطموحات الاقتصادية الجريئة، والخصوصيات الدينية والثقافية التي تشكل هوية المملكة الإسلامية. التعديلات الأخيرة على نظام التملك الأجنبي، بما تحمله من رمزية دينية وجغرافية، ستكون اختبارًا حقيقيًا لهذا التوازن.

فإذا نجحت المملكة في فرض ضوابط حقيقية ومنع أي إساءة لحرمة المدن المقدسة، فقد تتمكن من تهدئة الرأي العام وتحقيق جزء من أهدافها الاقتصادية. أما إذا تحوّلت هذه التعديلات إلى أداة بيد شركات المال والنفوذ لاقتناء الأراضي في أقدس مدن المسلمين، فستكون عواقب ذلك وخيمة على المستويين الديني والسياسي، داخليًا وخارجيًا.

اقرأ أيضًا : “اقتصاد الإبادة”.. كيف تواطأت الشركات العالمية في دعم الاحتلال الإسرائيلي؟