في تطور غير مسبوق ينذر بانفجار إقليمي واسع، أكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، الأحد، اغتيال علي شمخاني أمين مجلس الدفاع الإيراني، واللواء محمد باكبور قائد الحرس الثوري، في القصف الأمريكي الإسرائيلي الذي استهدف مواقع متعددة داخل إيران. كما أعلن التلفزيون الإيراني مقتل اللواء عبد الرحيم الموسوي رئيس هيئة الأركان العامة، ووزير الدفاع العميد عزيز نصيرزاده في الضربات ذاتها، في وقت كانت فيه البلاد لا تزال تحت وقع الصدمة بعد إعلان مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في سلسلة الهجمات المفاجئة التي استهدفت طهران ومدنا أخرى.
هذا التطور الدراماتيكي، الذي وصفته طهران بأنه “عدوان وحشي أمريكي صهيوني”، لا يمثل مجرد ضربة عسكرية تقليدية، بل يحمل في طياته محاولة لإحداث فراغ قيادي استراتيجي داخل هرم السلطة الإيرانية، عبر استهداف رأس النظام ومفاصل القرار العسكري والأمني في وقت واحد.
ضربة رأس الهرم: اغتيال القيادة السياسية والعسكرية
بحسب الرواية الرسمية الإيرانية، قُتل المرشد علي خامنئي في مكتبه صباح السبت، أثناء وجوده على رأس عمله، فيما تحدثت وكالة “فارس” عن سقوط أفراد من عائلته في الهجوم ذاته. وأعلنت الحكومة الإيرانية الحداد العام لمدة 40 يوما، مع تعطيل الدوائر الرسمية لمدة أسبوع، في مؤشر على حجم الصدمة والرمزية السياسية التي يحملها الحدث.
إلى جانب خامنئي، شكّل اغتيال شمخاني وباكبور والموسوي ونصيرزاده استهدافا مباشرا للعمود الفقري للمؤسسة العسكرية الإيرانية. فشمخاني يُعد من أبرز العقول الأمنية والاستراتيجية، فيما يمثل قائد الحرس الثوري ورئيس الأركان ووزير الدفاع الحلقة التنفيذية للقدرة العسكرية الإيرانية. استهداف هؤلاء مجتمعين يشير إلى تنسيق استخباراتي وعسكري بالغ الدقة، وربما إلى اختراقات عميقة مكّنت منفذي الهجوم من تحديد مواقعهم بدقة.
الرسالة هنا واضحة: لم يكن الهدف مجرد تدمير منشآت، بل شلّ القيادة وإرباك منظومة القرار، تمهيدا لمرحلة جديدة من الصراع.
طهران تتوعد: “دم الشهداء لن يذهب هدرا”
رد الفعل الإيراني جاء سريعا وحادا. المجلس الأعلى للأمن القومي أعلن أن “شهادة المرشد ستكون منطلقا لانتفاضة عظيمة ضد طغاة العالم”، بينما تعهد الحرس الثوري بالانتقام. وجاء في بيان الحكومة أن “دم القائد سيقضي على الظلم والجرائم الأمريكية الصهيونية”، مؤكدة أن إيران “ستجعل مرتكبي هذا الجرم يندمون”.
هذا الخطاب التصعيدي لا يعكس فقط الغضب الرسمي، بل يشير إلى انتقال المواجهة من مرحلة الردع غير المباشر إلى مرحلة المواجهة المفتوحة. فاغتيال شخصية بحجم المرشد الأعلى، الذي يمثل المرجعية الدينية والسياسية العليا، يعني – وفق العقيدة الإيرانية – أن الرد سيكون بحجم “الحدث الوجودي”.
ومن المرجح أن تتنوع أدوات الرد بين استهداف قواعد أمريكية في المنطقة، وتفعيل أذرع إيران الإقليمية، وصولا إلى ضربات صاروخية مباشرة، خاصة بعد أن أعلنت طهران سابقا بدء استهداف قواعد أمريكية في الخليج.
هل هو تغيير نظام بالقوة؟
اللافت في هذه التطورات أن الضربات استهدفت القيادة العليا بشكل مباشر، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية للهجوم الأمريكي الإسرائيلي. هل كان الهدف توجيه ضربة ردعية قاسية؟ أم محاولة إسقاط النظام عبر “قطع الرأس”؟
تاريخيا، أثبتت تجارب مماثلة أن اغتيال القيادات العليا لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الدول، بل قد يعزز تماسكها الداخلي، خاصة إذا جرى توظيف الحدث كرمز تعبوي. إعلان الحداد لمدة 40 يوما، وهو رقم ذو دلالة دينية في الثقافة الشيعية، يشير إلى أن القيادة الإيرانية ستسعى لتحويل الصدمة إلى طاقة تعبئة شعبية.
كما أن وجود مؤسسات موازية داخل النظام، مثل مجلس خبراء القيادة والحرس الثوري، قد يسرّع عملية ملء الفراغ القيادي، ما يقلل من احتمالات الفوضى الداخلية الفورية، لكنه لا يمنع صراعات محتملة خلف الكواليس حول مرحلة ما بعد خامنئي.
المنطقة على حافة الانفجار
اغتيال هذا العدد من القيادات في ضربة واحدة ينقل الصراع إلى مستوى غير مسبوق. فإيران لن تعتبر ما جرى عملية محدودة، بل إعلان حرب شاملة. في المقابل، تدرك الولايات المتحدة والاحتلال أن الرد الإيراني قد يستهدف مصالحهما المباشرة في الخليج والعراق وسوريا ولبنان.
دول الخليج، التي تستضيف قواعد أمريكية، قد تجد نفسها في قلب المواجهة، سواء عبر استهداف مباشر أو عبر تداعيات اقتصادية وأمنية، خصوصا في حال تعطل الملاحة في مضيق هرمز أو تصاعد الهجمات الصاروخية.
اقتصاديا، أي تصعيد طويل الأمد سيؤثر فورا على أسواق الطاقة العالمية، مع احتمال ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما يضيف بعدا دوليا للأزمة.
ما بعد الصدمة: سيناريوهات مفتوحة
السيناريو الأول يتمثل في رد إيراني واسع ومباشر، يفتح الباب أمام حرب إقليمية مفتوحة. الثاني هو رد مدروس ومتدرج يهدف إلى استنزاف الخصوم دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. أما الثالث، فيتعلق بإعادة ترتيب البيت الداخلي أولا قبل الانتقال إلى الرد الخارجي.
لكن المؤكد أن اغتيال خامنئي وقيادات الصف الأول غيّر قواعد الاشتباك جذريا. لم تعد المعركة تدور في الظل أو عبر حروب الوكالة فحسب، بل انتقلت إلى مواجهة مباشرة تستهدف رأس النظام.
في ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة أمام لحظة تاريخية فاصلة؛ فإما أن تنزلق إلى حرب واسعة تعيد رسم خرائط النفوذ، أو أن تدخل في مرحلة ردع متبادل أكثر هشاشة وخطورة. وبين الاحتمالين، يقف الشرق الأوسط على حافة بركان قابل للانفجار في أي لحظة.
اقرأ أيضًا :نيويورك تايمز: مزاعم ترامب لتبرير ضرب إيران تتهاوى أمام الوقائع