بينما تواصل الطائرات الإسرائيلية شن هجماتها على إيران ولبنان، تتكشف في الداخل الإسرائيلي جبهة أخرى لا تقل خطورة عن ساحات القتال، وهي الجبهة الاقتصادية. فمع اتساع رقعة الحرب وارتفاع تكاليف العمليات العسكرية، بدأت مؤشرات الأزمة الاقتصادية بالظهور بوضوح في الأسواق الإسرائيلية، سواء من خلال ارتفاع الأسعار، أو اضطراب سلاسل التوريد، أو الخلافات الحادة حول ميزانية الدولة لعام 2026. هذه التطورات تضع حكومة الاحتلال أمام اختبار اقتصادي صعب قد يتحول إلى أزمة عميقة إذا استمرت الحرب لفترة أطول.

ميزانية الحرب.. أرقام تتجاوز قدرة الاقتصاد
تتزايد المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية من انفلات ميزانية الحرب، في ظل تضخم التكاليف العسكرية بوتيرة غير مسبوقة. فقد أظهرت تقديرات إعلامية إسرائيلية أن العمليات العسكرية الحالية تستنزف الموازنة بوتيرة تفوق التوقعات، حيث إن حرب الصيف التي استمرت 12 يوماً في يونيو 2025 كلفت المؤسسة العسكرية نحو 20 مليار شيكل، وهو رقم ضخم بحد ذاته.
غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذا المبلغ، وفق تقديرات اقتصادية إسرائيلية، يعادل تقريباً ما أنفقه سلاح الجو الإسرائيلي في يومين فقط من الحرب الحالية، وهو ما يعكس الحجم الهائل للإنفاق العسكري الجاري. هذا الواقع دفع خبراء الاقتصاد إلى التحذير من أن الميزانية العسكرية المعلنة سابقاً والبالغة 112 مليار شيكل أصبحت بعيدة عن الواقع، في ظل مطالب المؤسسة الأمنية بزيادة المخصصات إلى ما لا يقل عن 144 مليار شيكل.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي يواجه مرحلة استنزاف مالي قد تخرج فيها الموازنة عن السيطرة، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية دون أفق واضح لنهايتها.
صراع سياسي داخل الحكومة حول الموازنة
الأزمة الاقتصادية لا تتوقف عند حدود الأرقام، بل تتفاقم بفعل الخلافات السياسية داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن كيفية إدارة الميزانية في زمن الحرب. فقد أثار تخصيص مليارات الشواكل لما يعرف بأموال الائتلاف الحكومي – التي تذهب بشكل أساسي إلى الأحزاب الدينية المتشددة – موجة انتقادات واسعة داخل الكنيست.
ويرى عدد من النواب والخبراء الاقتصاديين أن استمرار الحكومة في توزيع هذه الأموال السياسية في ظل الحرب يعكس خللاً في أولويات القيادة الإسرائيلية. فبينما تحتاج المؤسسة العسكرية إلى مليارات إضافية لتمويل العمليات القتالية، لا تزال الحكومة متمسكة بتخصيص نحو خمسة مليارات شيكل لمشاريع سياسية وحزبية، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع العجز المالي بشكل خطير.
ويحذر اقتصاديون من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد الإسرائيلي، كما قد تضع التصنيف الائتماني للدولة تحت ضغط متزايد، خاصة في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع الاستقرار الاقتصادي.
الحرب تضرب سلاسل التوريد وترفع الأسعار
بعيداً عن الميزانية، بدأت آثار الحرب تظهر بشكل مباشر في الأسواق الإسرائيلية، حيث تشهد سلاسل التوريد اضطرابات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والطاقة. فقد أدت الحرب مع إيران إلى توسيع نطاق المخاطر في المنطقة، وهو ما انعكس على حركة التجارة وأسعار الوقود.
ارتفاع أسعار الطاقة والنقل البحري والجوي أدى بدوره إلى زيادة تكلفة استيراد السلع، وهو ما انعكس سريعاً على أسعار المنتجات داخل الأسواق. وتشير تقارير اقتصادية إسرائيلية إلى أن هذا الارتفاع في تكاليف النقل والطاقة بدأ ينعكس على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما يهدد بارتفاع معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة.
كما أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب تؤثر على نشاط الشركات والاستثمارات، إذ تميل الشركات في أوقات الأزمات إلى تقليص الإنفاق وتأجيل المشاريع، وهو ما يبطئ النشاط الاقتصادي ويزيد من الضغوط على الأسواق.
قطاعات اقتصادية مهددة بالانهيار
القطاعات الأكثر حساسية في الاقتصاد الإسرائيلي بدأت تشعر بثقل الأزمة المتصاعدة، وعلى رأسها قطاع العقارات والبنوك وشركات التأمين. فهذه القطاعات تعتمد بشكل كبير على الاستقرار الاقتصادي وثقة المستثمرين، وهي عوامل بدأت بالتآكل نتيجة الحرب.
القطاع العقاري، على سبيل المثال، قد يواجه تباطؤاً حاداً بسبب ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع الطلب على الاستثمار العقاري. كما أن شركات التأمين قد تتعرض لضغوط مالية نتيجة زيادة المخاطر المرتبطة بالحرب والأضرار المحتملة للبنية التحتية.
أما البنوك، فتواجه بدورها تحديات مرتبطة بارتفاع الديون وتراجع النشاط الاقتصادي، وهو ما قد يؤثر على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على التعافي في المدى القريب.
أحلام الشرق الأوسط الجديد تتبخر
الأزمة الاقتصادية الحالية تمثل ضربة قوية للرواية السياسية التي روجت لها الحكومة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة حول ما يسمى بـ”الشرق الأوسط الجديد”. فقد كانت القيادة الإسرائيلية تتحدث عن مرحلة من الازدهار الاقتصادي نتيجة توسيع العلاقات الإقليمية والتعاون مع دول الخليج.
غير أن الحرب الحالية قلبت هذه التوقعات رأساً على عقب، إذ أظهرت أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يزال عرضة لهزات قوية في حال اندلاع صراعات واسعة في المنطقة. فمع استمرار سقوط الصواريخ وتوسع رقعة المواجهة، تراجعت الثقة في قدرة الحكومة على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
ورطة اقتصادية تتفاقم مع استمرار الحرب
في المحصلة، تبدو إسرائيل أمام معادلة صعبة تجمع بين حرب مفتوحة وتحديات اقتصادية متصاعدة. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الإنفاق العسكري، ومزيداً من الضغوط على الأسواق والميزانية.
وفي ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة لإدارة الأزمة، يخشى خبراء الاقتصاد الإسرائيليون من أن تتحول الحرب إلى استنزاف مزدوج، عسكري واقتصادي في آن واحد. وإذا استمرت المواجهة لفترة أطول، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام أزمة مالية حقيقية تهدد أحد أهم أعمدة قوتها: الاقتصاد.
اقرأ أيضًا : إغلاق مضيق هرمز يدفع كبار منتجي الخليج لخفض النفط ويكشف مأزق الحرب على إيران