في تصعيد خطير لانتهاكات القانون الدولي الإنساني، كشفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” عن معاملة وحشية تعرض لها أكثر من 50 من موظفيها على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال احتجازهم في قطاع غزة.
الاتهامات التي وجهها المفوض العام للوكالة، فيليبي لازاريني، ليست مجرد ادعاءات؛ بل شهادات دامغة عن استخدام موظفين أمميين كدروع بشرية، وتعذيبهم جسديًا ونفسيًا، في وقت يتفاقم فيه الوضع الإنساني في غزة تحت وطأة الحصار والمجاعة، في غياب واضح لأي ردع دولي.

الانتهاكات الممنهجة: شهادات تقشعر لها الأبدان
في تدوينة نشرها على منصة “إكس”، أكد لازاريني أن موظفي الوكالة الذين تم اعتقالهم، وبينهم معلمون وأطباء وعاملون اجتماعيون، تعرضوا لضروب من التنكيل والتعذيب الممنهج.
وقال: “لقد عوملوا بطرق هي الأشد ترويعًا وأبعد ما تكون عن المعاملة الإنسانية”، مضيفًا أن الجيش الإسرائيلي لم يكتف باعتقالهم تعسفيًا، بل استخدمهم كدروع بشرية في خرق صارخ لاتفاقيات جنيف.
أحد الموظفين المفرج عنهم وصف التجربة بأنها جحيم حقيقي: “تمنيت الموت حتى ينتهي هذا الكابوس”، في دلالة على حجم التعذيب والإذلال الذي تعرض له.
وأوضح لازاريني أن الشهادات الواردة من المفرج عنهم تكشف عن حرمان من النوم، وإهانات متعمدة، وتهديدات بإلحاق الأذى بأفراد عائلاتهم، بل ووصل الأمر إلى تسليط الكلاب عليهم داخل مراكز الاحتجاز. بل الأدهى من ذلك، أن بعضهم أُجبر على الإدلاء باعترافات قسرية تحت التهديد، وهي ممارسات يعاقب عليها القانون الدولي باعتبارها جرائم حرب.
في خلفية الإجرام: سلاح التجويع والعقوبات الجماعية
هذه الاتهامات تأتي في سياق عدوان شامل تتبناه سلطات الاحتلال منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، حيث فرضت حصارًا خانقًا على قطاع غزة تجاوز الـ200 يوم، مانعة دخول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية.
وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن مؤخرًا نفاد مخزونه داخل القطاع، محذرًا من أن أكثر من مليوني شخص يواجهون المجاعة المباشرة.
استخدام الحصار كأداة حرب، واستهداف الكوادر الأممية بالاعتقال والتعذيب، يعبّر عن منهجية إسرائيلية تقوم على إذلال المجتمع الفلسطيني وتحطيم مؤسساته، بما في ذلك منظمات الأمم المتحدة ذات الطابع الإنساني.
والجدير بالذكر أن هذه الممارسات تندرج ضمن تعريف “العقوبات الجماعية” المحظورة بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة.
هجوم على الأونروا: محاولة لإلغاء الشاهد على الجريمة
في الوقت الذي تدق فيه الأونروا ناقوس الخطر بشأن الانهيار الكامل للمنظومة الإنسانية في غزة، تسعى إسرائيل إلى تقويض دور الوكالة وشيطنتها على الساحة الدولية.
فقد صوّت الكنيست الإسرائيلي مؤخرًا على قانون يحظر عمل الوكالة في إسرائيل، ويمنع المؤسسات المحلية من التعاون معها، بحجة تقديم “غطاء” لمقاتلي حماس. وهي مزاعم نفتها الأمم المتحدة جملة وتفصيلًا، وأكدت لجان تحقيق مستقلة أنها لا تستند إلى أي أدلة ملموسة.
وقد جاء الرد الإسرائيلي على هذه الاتهامات بالهجوم اللفظي على الوكالة نفسها، حيث وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر جلسات الاستماع في محكمة العدل الدولية بأنها “مسرحية سياسية”، وهاجم الأونروا متهمًا إياها بـ”التحيز” و”الفشل”. وهي محاولة مكشوفة لقلب المعادلة: تحويل الجلاد إلى ضحية، والمؤسسة الأممية إلى متهم.
محكمة العدل الدولية: صمت الاحتلال ومرافعة الضمير العالمي
بدأت هذا الأسبوع في لاهاي جلسات استماع مخصصة لبحث مدى التزام إسرائيل بواجباتها الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لكن الاحتلال رفض المشاركة، واعتبر الجلسات بمثابة “اضطهاد سياسي”، وهو انسحاب ليس من المحكمة فحسب، بل من كافة المعايير الدولية التي يفترض أن تحكم سلوك الدول خلال الحروب.
ويُنظر إلى غياب إسرائيل عن الجلسات كدليل على إدراكها لخطورة ما يُعرض من أدلة وشهادات حول الجرائم التي ترتكبها في غزة، ومنها قضية استخدام موظفين أمميين كدروع بشرية.
صرخة غزة في وجه العالم
ما كشفته الأونروا هو أكثر من مجرد شهادة مؤسسية؛ إنه وثيقة إدانة لجيش الاحتلال الإسرائيلي وممارساته في قطاع غزة، وهو أيضًا امتحان لضمير العالم ومؤسساته القانونية.
استخدام التعذيب، والتجويع، والدروع البشرية ضد موظفين أمميين، ثم شن هجمات سياسية لتصفية الأونروا، كلها مؤشرات على نية مبيتة لإبادة الإنسان الفلسطيني ومعاقبة كل من يمد له يد العون.
إنها ليست مجرد حرب، بل خطة ممنهجة لتجريف مقومات الحياة في غزة، والقضاء على أي صوت يروي ما يجري. وفي غياب المحاسبة، تبقى هذه الشهادات هي جرس إنذار يصرخ في وجه العالم: “العدالة المؤجلة هي عدالة منقوصة.. والسكوت على الجريمة هو شراكة فيها”.
اقرأ أيضًا : غزة تئن جوعًا: “الأغذية العالمي” يعلن نفاد مخزونه وسط حصار خانق