في وقت تتسارع فيه النقاشات الإقليمية والدولية حول مستقبل قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، خرجت دولة الإمارات العربية المتحدة بنفي رسمي قاطع لما تردد عن نيتها تولّي الإدارة المدنية للقطاع. غير أن هذا النفي، ورغم وضوح لغته، لم يُنهِ الجدل، بل فتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول الدور الحقيقي الذي تلعبه أبوظبي في ترتيبات ما بعد الحرب، وحدود الفصل بين “الإدارة المباشرة” و”الإدارة بالوكالة”.

نفي رسمي ولغة محسوبة

تصريحات وزيرة شؤون التعاون الدولي الإماراتية ريم بنت إبراهيم الهاشمي جاءت حاسمة في ظاهرها، حين أكدت أن “حوكمة غزة وإدارتها مسؤولية الشعب الفلسطيني”، ووصفت التقارير الإسرائيلية التي تحدثت عن دور إماراتي مدني في القطاع بأنها “ادعاءات لا أساس لها من الصحة”. الخطاب الرسمي بدا حريصًا على تثبيت مسافة واضحة بين أبوظبي وأي دور إداري مباشر، في محاولة لنزع فتيل الاتهامات المتصاعدة عربيًا وفلسطينيًا.

لكن هذا النفي لم يترافق مع تفنيد تفصيلي لما ورد في التقارير الإسرائيلية، ولا مع توضيح لطبيعة الأدوار التي تقبل بها الإمارات أو ترفضها في غزة، وهو ما جعل البيان أقرب إلى ضبط سياسي للخطاب، لا إلى كشف كامل للوقائع.

تسريبات إسرائيلية لا يمكن تجاهلها

في المقابل، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية، أبرزها القناة 12، عن محادثات وُصفت بالمتقدمة بين الإمارات والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، وصلت إلى مرحلة تبادل مسودات مكتوبة حول إدارة الشؤون المدنية في غزة. وبحسب هذه التسريبات، فإن الدور الإماراتي المقترح لا يقتصر على المساعدات، بل يمتد إلى إدارة التجارة والأسواق، والإشراف على دخول البضائع، وتأمين البنية اللوجستية، بمشاركة مقاولين إسرائيليين وشركات أمنية أمريكية.

خطورة هذه المعلومات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها وسياقها، إذ تأتي في لحظة يسعى فيها الاحتلال إلى التخلص من عبء إدارة غزة، دون تمكين الفلسطينيين من سيادة حقيقية، عبر استبدال الاحتلال المباشر بإدارة “ناعمة” تقودها أطراف إقليمية حليفة.

إدارة بالوكالة لا بالاسم

حتى لو صحّ النفي الإماراتي من حيث عدم تولي “الإدارة المدنية” رسميًا، فإن الوقائع تشير إلى نموذج آخر: إدارة غير مباشرة، أو ما يمكن وصفه بـ”الإدارة بالوكالة”. هذا النموذج يسمح لأبوظبي بلعب دور محوري في الاقتصاد، والأمن، والمساعدات، دون أن تتحمل كلفة الإعلان السياسي عن السيطرة.

إدارة التجارة، والتحكم بسلاسل التوريد، وتحويل مراكز الإغاثة إلى مراكز لوجستية تخدم القطاع الخاص، كلها أدوات نفوذ فعّالة، لا تقل تأثيرًا عن الإدارة الرسمية. بل إنها، في بعض الأحيان، أخطر، لأنها تعمل تحت غطاء إنساني وتنموي، بينما تعيد تشكيل الواقع الاقتصادي والسياسي بما يتوافق مع رؤية الاحتلال وحلفائه.

الهياكل الجديدة وتفريغ القرار الفلسطيني

الإعلان عن “اللجنة الوطنية المستقلة لإدارة غزة”، التي تضم شخصيات فلسطينية غير سياسية، قُدّم باعتباره خطوة نحو تمكين الفلسطينيين. غير أن هذه اللجنة، وفق المعطيات المتداولة، تأتي ضمن حزمة هياكل أوسع، تشمل “مجلس السلام” و”المجلس التنفيذي لغزة” و”قوة الاستقرار الدولية”، وهي هياكل ترتبط مباشرة بخطة أمريكية لإدارة القطاع.

هنا يبرز التناقض: إذا كانت الإدارة مسؤولية الفلسطينيين، فلماذا تُصاغ الهياكل خارج غزة؟ ولماذا يُربط تمويلها ودعمها بأطراف إقليمية منخرطة في مسار تطبيع وتحالف أمني مع الاحتلال؟ هذا السياق يجعل من “الاستقلال” المعلن للجنة محل شك، ويضعها ضمن منظومة أوسع تهدف إلى تحييد القرار الوطني الفلسطيني.

الإمارات ومخططات ما بعد الحرب

سجلّ الإمارات في السنوات الأخيرة يُظهر نمطًا متكررًا: الانخراط في ملفات النزاع تحت عناوين إنسانية أو استقرار، ثم التحول إلى لاعب سياسي وأمني واقتصادي فاعل يخدم ترتيبات إقليمية أوسع. في غزة، يبدو أن السيناريو ذاته يُعاد إنتاجه، مع فارق الحساسية الشعبية الفلسطينية والعربية تجاه أي دور يُ perceived على أنه امتداد لمخططات الاحتلال.

النفي الإماراتي، في هذا السياق، لا يبدد الشكوك بقدر ما يعكس إدراكًا لحجم الرفض المتوقع. فالمسألة لم تعد متعلقة بتسمية الدور، بل بطبيعته ووظيفته: هل يخدم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، أم يسهّل إعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بأدوات جديدة؟

نفي لا يغلق الملف

في المحصلة، يمكن قراءة الموقف الإماراتي بوصفه محاولة للفصل بين الخطاب العلني والممارسة الفعلية. فحتى مع نفي تولي الإدارة المدنية، تبقى أبوظبي جزءًا من ترتيبات إقليمية تُناقش مستقبل غزة دون تفويض شعبي فلسطيني حقيقي. وبينما تُرفع شعارات دعم السلام والمساعدات، تتشكل على الأرض معالم مشروع يعيد هندسة القطاع بما يتوافق مع مصالح الاحتلال وحلفائه.

وعليه، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بما إذا كانت الإمارات ستدير غزة “رسميًا”، بل بما إذا كانت أدوارها الحالية والمقترحة تشكل، عمليًا، جزءًا من مخطط أوسع لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها السيادي، تحت غطاء النفي والدبلوماسية الناعمة.

اقرأ أيضًا ” ميليشيا الإمارات الانتقالي تقتحم مقر صحيفة بعدن في رسالة إرهاب صريحة