في إعلان يكشف إصرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي على تحويل عدوانها المتواصل إلى احتلال دائم وفرض مناطق عازلة بالقوة، أكد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن جيش الاحتلال سيبقى في المناطق التي استولى عليها داخل سوريا ولبنان وقطاع غزة «لفترة غير محدودة»، زاعماً أن استمرار الانتشار العسكري ضروري لحماية المستوطنات الإسرائيلية.
وقال كاتس إن حكومته، برئاسة بنيامين نتنياهو، تتبنى سياسة واضحة تقوم على عدم الانسحاب من ما تسميه «المناطق الأمنية» التي يحتلها الجيش الإسرائيلي في الدول الثلاث، بما يؤكد أن تل أبيب لا تتعامل مع عملياتها العسكرية باعتبارها إجراءات مؤقتة، بل بوصفها وسيلة لفرض واقع حدودي وجغرافي جديد على حساب سيادة الدول العربية وحقوق شعوبها.
وأضاف وزير الأمن الإسرائيلي أن الجيش سيواصل تدمير المنازل والمنشآت والبنى العسكرية فوق الأرض وتحتها في المناطق التي يحتلها، متذرعاً بمنع تشكيل أي تهديد مستقبلي للمستوطنات، في تكرار للذرائع التي استخدمها الاحتلال لتبرير تهجير السكان وتدمير القرى الحدودية وتحويلها إلى مناطق خالية من الحياة.
تنسيق إسرائيلي أمريكي لتثبيت الاحتلال
وجاءت تصريحات كاتس بالتزامن مع اتصالات أجراها مع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ومسؤولين عسكريين أمريكيين، أطلعهم خلالها على تمسك إسرائيل بعدم الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في سورية ولبنان وغزة.
وبحسب تقارير إسرائيلية، ناقش الجانبان استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في تلك المناطق والترتيبات الأمنية الإقليمية، في مؤشر جديد إلى الغطاء السياسي والعسكري الذي توفره واشنطن لحكومة نتنياهو، رغم تعارض الاحتلال المستمر مع سيادة الدول والقرارات الدولية والاتفاقات المعلنة لوقف إطلاق النار.
ويعزز هذا التنسيق المخاوف من أن تتحول القوات الأمريكية من وسيط أو مراقب مفترض للاتفاقات إلى جهة توفر الحماية السياسية لاستمرار التوسع الإسرائيلي، خصوصاً مع عدم ممارسة واشنطن أي ضغط حقيقي لإجبار تل أبيب على تنفيذ انسحابات كاملة.
لبنان: احتلال النقاط الحدودية ونسف اتفاق وقف النار
في لبنان، يواصل جيش الاحتلال تمركزه في عدد من المواقع والنقاط داخل الأراضي الجنوبية، رغم الاتفاق الذي نص على وقف الأعمال العدائية وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وأعلن كاتس صراحة أن الاحتلال لن ينسحب من «المنطقة الأمنية» التي أقامها جنوب لبنان، معتبراً بقاء القوات فيها أحد أهم الإنجازات العسكرية التي حققتها حكومته، بينما تستمر الغارات وعمليات الاغتيال وقصف القرى والمنازل في خرق يومي للاتفاق ولسيادة الدولة اللبنانية.
وترافق ذلك مع تدمير متعمد للمنازل والحقول والبنية التحتية في القرى الحدودية، بما يعرقل عودة السكان ويكرس شريطاً خالياً من المدنيين، فيما سجل لبنان آلاف الشهداء والجرحى منذ تجدد العدوان الإسرائيلي الواسع.
وتكشف تصريحات كاتس أن الاحتلال لا ينوي التعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه مدخلاً للانسحاب، بل وسيلة لتثبيت مواقع عسكرية دائمة والتحكم في مساحة من الجنوب اللبناني تحت مسمى «الاحتياجات الأمنية».
سوريا: توسيع الاحتلال بعد سقوط النظام السابق
وفي سوريا، استغلت إسرائيل التحولات السياسية والأمنية لتوسيع احتلالها خارج مرتفعات الجولان المحتلة، وسيطرت على المنطقة العازلة ومواقع إستراتيجية جديدة، بينها مناطق مرتفعة تمنح جيشها قدرة على مراقبة مساحات واسعة من الجنوب السوري.
وتواصل القوات الإسرائيلية تنفيذ توغلات واعتقالات وإقامة حواجز ومواقع عسكرية، بالتزامن مع غارات تستهدف منشآت الجيش السوري ومخازن السلاح والبنية الدفاعية للبلاد.
وتصر حكومة نتنياهو على فرض جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح تخضع للرقابة الإسرائيلية، وهو ما يمثل انتهاكاً واضحاً لوحدة الأراضي السورية وتحويلاً للظروف الانتقالية في البلاد إلى فرصة لضم مساحات جديدة وفرض ترتيبات أمنية بالقوة.
وكان كاتس قد أكد أن بقاء الجيش في سورية لا يخضع لأي سقف زمني، رابطاً الانسحاب بترتيبات تحددها إسرائيل وحدها، لا بالقانون الدولي أو بموافقة الدولة السورية.
غزة: مناطق عازلة واحتلال دائم تحت غطاء «الأمن»
أما في قطاع غزة، فتؤكد تصريحات كاتس أن الحديث الإسرائيلي عن صفقات لوقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى لا يعني التخلي عن مشروع السيطرة العسكرية على أجزاء واسعة من القطاع.
ويواصل جيش الاحتلال إقامة محاور ومناطق عازلة وتهجير السكان منها، مع تدمير الأحياء السكنية والأراضي الزراعية لمنع عودة الفلسطينيين، في مسعى لتقليص مساحة القطاع القابلة للحياة وفرض احتلال عسكري طويل الأمد.
وتتمسك حكومة نتنياهو ببقاء قواتها في مواقع داخل غزة حتى بعد أي اتفاق محتمل، وهو شرط يهدد بإفشال جهود التوصل إلى وقف شامل للحرب، بعدما أكدت المقاومة الفلسطينية أن الانسحاب الكامل ووقف العدوان وعودة النازحين تمثل أسساً لا غنى عنها لأي تسوية.
ويكشف إعلان الاحتلال البقاء «لفترة غير محدودة» أن الهدف يتجاوز مواجهة فصيل فلسطيني بعينه، إلى إعادة هندسة القطاع جغرافياً وديموغرافياً، ومنع قيام أي سلطة فلسطينية مستقلة قادرة على إدارة أراضيها.
مشروع إسرائيلي واحد يمتد عبر ثلاث جبهات
وتجمع سياسة الاحتلال في سورية ولبنان وغزة بين عناصر متشابهة: اجتياح الأراضي، وإخلاؤها من السكان، وهدم المنازل والبنية التحتية، ثم تحويلها إلى «مناطق أمنية» تخضع للجيش الإسرائيلي دون موعد للانسحاب.
ويمثل هذا النهج محاولة لفرض حدود إسرائيلية جديدة بقوة السلاح، ونسف مبدأ سيادة الدول، وتحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم تدعمه الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً.
وبينما تواصل حكومة نتنياهو الترويج لهذه التوسعات باعتبارها إجراءات دفاعية، تؤكد الوقائع أن الاحتلال يستخدم حرب غزة والتوتر في لبنان والمرحلة الانتقالية في سورية لبناء أحزمة عسكرية دائمة، بما يهدد بإبقاء المنطقة في حالة حرب مفتوحة ويقوض أي فرصة لاستقرار حقيقي.
ويضع هذا الإعلان الدول العربية والمجتمع الدولي أمام اختبار واضح؛ فإما مواجهة مشروع الضم والاحتلال المتدرج، أو السماح لإسرائيل بتحويل العدوان العسكري إلى خريطة سياسية جديدة تُرسم على أنقاض المدن ودماء المدنيين.