في مشهد أعاد إلى الواجهة حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال، أفرجت قوات الاحتلال، الخميس، عن خمسة أسرى من قطاع غزة، بينهم الحكيمة تسنيم الهمص، ابنة الطبيب المختطف مروان الهمص، الذي اختطفته قوة إسرائيلية خاصة قبل أسابيع من مكان عمله غرب خانيونس.

وتسلّم مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع الأسرى الخمسة بعد نقلهم عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وسط تكتّم إسرائيلي كامل حول حالتهم الصحية وظروف احتجازهم، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لطمس الأدلة المتعلقة بسوء المعاملة والتعذيب.

لحظة الإفراج.. وجوه هزيلة وملامح منهكة

وبحسب مكتب الأسرى، فإن المفرج عنهم وصلوا إلى المستشفى وهم في حالة صعبة، فيما لم تُصدر الجهات الطبية بعدُ تقريرًا تفصيليًا يكشف مستوى الأذى الذي تعرضوا له.
لكن معتقلين سابقين أكدوا أن معظم الأسرى المُفرج عنهم خلال الأشهر الماضية وصلوا في حالة صحية متدهورة للغاية، غالبًا بملامح هزيلة وأجساد فقدت الكثير من وزنها، وهو ما يرجح أن الحالات الخمس الجديدة لا تختلف عن ذلك النمط المروّع الذي بات علامة على سياسة الاحتلال.

وتحدث محررون سابقون عن سوء تغذية حاد، وحرمان من الماء، وتقييد متواصل لساعات طويلة، إضافة إلى إصابات ناجمة عن ضرب مبرح وتعذيب نفسي مستمر.
هذه الشهادات تجعل من كل حالة إفراج دليلًا جديدًا على ما تصفه منظمات حقوقية دولية بأنه “تعذيب ممنهج” يرتكب داخل منظومة الاعتقال الإسرائيلية.

قصة تسنيم الهمص.. اختطاف مزدوج ورسالة واضحة

بين المفرج عنهم الحكيمة تسنيم الهمص، التي اختطفتها قوة خاصة من مكان عملها في منطقة المواصي بخانيونس خلال شهر أكتوبر الماضي، بعد أيام من اختطاف والدها الطبيب مروان الهمص.

يرى ناشطون أن اعتقال تسنيم لم يكن حادثًا عابرًا، بل ضغطًا نفسيًا مضاعفًا ورسالة تهديد للعائلات الفلسطينية، فاعتقال الأب ثم الابنة يعكس سياسة إسرائيلية تقوم على معاقبة العائلات جماعيًا، بعيدًا عن أي مبرر قانوني أو أمني.

يعمل الطبيب مروان الهمص في ظروف طبية حرجة داخل القطاع، وقد أثار اختطافه استنكارًا محليًا واسعًا باعتباره واحدًا من كوادر الطوارئ الذين كانوا يقدمون خدمات إنسانية عاجلة في خانيونس قبل أن تقتحم قوة إسرائيلية مكان عمله وتقتاده إلى جهة مجهولة.

اتفاق التبادل السابق.. أرقام صادمة وشهادات مرعبة

وتعيد عملية الإفراج الجديدة إلى الأذهان ما حدث في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حين أفرج الاحتلال عن نحو 1700 أسير من غزة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار برعاية مصرية قطرية تركية، وبتنسيق مباشر من إدارة الرئيس الأميركي.

آنذاك، وصل معظم المفرج عنهم بملابس ممزقة وأجساد منهارة، وأكّد عدد منهم أنهم تعرضوا:

  • للتعذيب الجسدي المتواصل

  • للحرمان من النوم

  • للضرب بالهراوات والأيدي والأحذية

  • للتجويع المتعمد

  • للحبس في ظروف باردة وصادمة

  • لمعاملة مهينة تصل إلى حد الإذلال اليومي

عدد من الأسرى وصف السجون الإسرائيلية بأنها أصبحت “مراكز موت بطيء”، بينما تحدّث البعض عن مشاهد تعذيب جماعي مارستها وحدات خاصة إسرائيلية داخل المعتقلات.

أكثر من 10 آلاف أسير.. منظومة قتل بطيء داخل السجون

وبحسب المنظمات الحقوقية الفلسطينية والإسرائيلية، لا يزال في سجون الاحتلال أكثر من 10 آلاف فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، يتعرضون لأساليب تعذيب وإهمال طبي وتجويع، أدت إلى استشهاد العشرات خلال العامين الماضيين.

وتشير تقارير متعددة إلى أن الاعتقال في غزة منذ بدء الحرب تحوّل إلى “ممارسة انتقامية”؛ إذ يُعتقل الفلسطينيون دون تهمة، وغالبًا دون تحقيق، ثم يُحتجزون في قواعد عسكرية وسجون ميدانية بدائية، قبل نقلهم إلى معتقلات دائمة.

بل إن بعض الشهادات تحدثت عن فقدان أعضاء، وإصابات خطيرة ناتجة عن الصعق الكهربائي والضرب، إضافة إلى ترك الجرحى لساعات دون علاج.

لماذا يفرج الاحتلال عن بعض الأسرى؟.. محاولة تلميع أم التخلص من الأدلة؟

يرى محللون أن الاحتلال يلجأ إلى الإفراج عن الأسرى في مراحل متقطعة للأسباب التالية:

  1. التخلص من المسؤولية القانونية تجاه الحالات الصحية الخطيرة التي قد تودي بحياة أصحابها داخل السجون.

  2. تقليل الضغط الدولي المتصاعد بعد تسريب شهادات مرعبة من داخل المعتقلات.

  3. التلاعب السياسي عبر إظهار نفسه ملتزمًا ببنود وقف إطلاق النار، فيما يواصل اعتقال المئات من القطاع بشكل يومي.

  4. طمس الأدلة عبر الإفراج عن ضحايا التعذيب قبل خضوعهم لفحوص طبية أو توثيق قانوني شامل.

وبحسب خبراء حقوقيين، فإن الإفراج عن تسنيم الهمص تحديدًا قد يكون محاولة لقطع الطريق على تحقيقات محتملة بخصوص اختطافها التعسفي من مكان عملها.

فضح الإجرام الإسرائيلي.. شهادات متراكمة تُدين الاحتلال

تمثّل الساعات الأولى بعد الإفراج لحظة مهمة لتوثيق الإجرام الإسرائيلي داخل السجون، فشهادات المعتقلين تكشف:

  • الاعتداءات الجنسية في بعض السجون

  • تهديد الأسرى بالتصفية

  • الإهانات الدينية

  • استخدام العزل الانفرادي كسلاح نفسي

  • رمي الجرحى في ساحات السجون دون إسعاف

هذه الشهادات، التي تتكرر مع كل دفعة جديدة من المفرج عنهم، تُشكّل ملفًا قانونيًا قابلاً للاستخدام أمام المحاكم الدولية، خصوصًا في ظل الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية.

خاتمة: الإفراج ليس نهاية الألم

رغم أن الإفراج عن خمسة أسرى يُعدّ بارقة أمل للعائلات، إلا أن قصصهم تكشف عمق الجريمة الإسرائيلية بحق البشر داخل السجون.
تسنيم الهمص تعود اليوم إلى غزة، لكن والدها لا يزال قيد الاعتقال، فيما يبقى آلاف الأسرى خلف القضبان معرضين للموت البطيء.

ويؤكد حقوقيون أن هذه الدفعة الجديدة من الإفراجات ليست سوى شهادة حيّة على حجم الإجرام الإسرائيلي المنهجي، الذي يتطلب تحقيقًا دوليًا عاجلًا ومحاسبة جادة، قبل أن تتحول السجون الإسرائيلية إلى مقابر مفتوحة للفلسطينيين.

اقرأ أيضًا : “الإخوان” ترفض تصنيف واشنطن وتتهم أبو ظبي و”إسرائيل” بالضغط على ترامب