في جريمة جديدة تفضح استهتار الاحتلال الإسرائيلي بكل القوانين والمعايير الإنسانية، تعرض أحد مقرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، لقصف مباشر من قبل جيش الاحتلال، رغم وضوح هوية المبنى وعلم الأطراف كافة بمكانه ووظيفته.
وبينما أقر الاحتلال بمسؤوليته عن القصف، حاول التملص من تبعاته بادعاء “الجهل” بأن المبنى تابع لمنظمة إنسانية، وهو تبرير لا يصمد أمام الحقائق الميدانية والمعطيات القانونية.
استهداف مباشر رغم الإبلاغ والوضوح الكامل
البيان الصادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر كان واضحاً وصادماً: قذيفة متفجرة سقطت على مكتبها في رفح، ما ألحق أضراراً بالمقر وعرقل أداء فرقها، رغم أن المكان كان يحمل علامات الصليب الأحمر بشكل جلي، وتم إبلاغ كل الأطراف بموقعه.
ورغم أن الحادث لم يُسفر عن إصابات بين الطاقم، فإن المنظمة عبّرت عن غضبها الشديد، معتبرة أن الهجوم يمثل اعتداءً مباشراً على العمل الإنساني، ويُقوّض قدرة المؤسسة على أداء مهامها في وقت يُعاني فيه القطاع من كارثة إنسانية غير مسبوقة.
تصريحات الصليب الأحمر كشفت عن استهداف ليس فقط لمكان، بل لفكرة الحياد الإنساني نفسها، في سياق عدوان شامل يتعرض له قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي، أسفر عن استشهاد عشرات الآلاف من المدنيين، معظمهم من الأطفال والنساء، وتدمير أكثر من 70% من البنية التحتية الصحية والإغاثية، وفق تقارير أممية.
تبرير الاحتلال: عذر أقبح من ذنب
رد جيش الاحتلال جاء على النمط المعتاد: “استهداف مبنى وُجد فيه مشتبه بهم”، ليعقبه اعتراف متأخر بأن المبنى كان تابعاً للصليب الأحمر، “لكن لم تكن القوات تعلم بذلك وقت العملية”، وفق زعمه.
هذا التبرير يفتقر إلى أي منطق، خاصة أن الموقع كان معلّماً بوضوح، كما أن منظمات الإغاثة تُبلغ مسبقاً إحداثيات مقارها للجهات المعنية، ضمن آلية تُعرف بـ”إزالة الاشتباك الإنساني”، لتفادي الحوادث العسكرية.
فهل يعقل أن جيشاً يملك أقماراً صناعية وطائرات استطلاع دقيقة، وأجهزة استخبارات دولية، يعجز عن التمييز بين مقر إنساني وهدف عسكري؟ أم أن الحقيقة أن الاحتلال يستهدف بشكل ممنهج العمل الإنساني، في محاولة لترهيب المنظمات الدولية ودفعها لمغادرة القطاع، كي يستفرد بالفلسطينيين في حرب إبادة صامتة وبعيدة عن أعين العالم؟
عدوان شامل على الإغاثة.. وكارثة إنسانية تتفاقم
حادثة قصف الصليب الأحمر ليست الأولى، بل هي حلقة جديدة ضمن مسلسل طويل من الاعتداءات على العمل الإنساني.
فقد سبقها تدمير مقار تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، واستهداف مخازن مساعدات، وحتى طواقم إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني. كما انقطع الاتصال، وفق الصليب الأحمر، مع عدد من فنيي الطوارئ في رفح، ولا يزال مصيرهم مجهولاً، في ظل حصار مشدد على جنوب القطاع حيث تدور أعنف المعارك.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن التصعيد العسكري الأخير أسفر عن مئات الضحايا، وأن المدنيين يُدفنون تحت الأنقاض، بينما يُمنع إنقاذهم بفعل استمرار القصف وإعاقة عمل فرق الإغاثة.
كما أدت الأوامر العسكرية الإسرائيلية بإخلاء مناطق كاملة إلى نزوح جديد لعشرات آلاف الأسر التي تركت خيامها وممتلكاتها، دون أن تعرف إلى أين تذهب، في ظل غياب أي مناطق آمنة فعلياً.
جريمة مكتملة الأركان وسط صمت دولي مشين
ما جرى في رفح، كما يؤكد مختصون بالقانون الدولي، يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان. فالقانون الإنساني الدولي، الذي تُعد اتفاقيات جنيف حجر أساس فيه، ينص صراحة على حماية العاملين في المجال الإنساني، ويُحمّل الجهات المتحاربة مسؤولية اتخاذ أقصى درجات الحذر لتجنّب استهدافهم.
لكن الاحتلال يضرب بهذه القوانين عرض الحائط، مستفيداً من الغطاء السياسي الأمريكي والدولي، ومن عجز المنظمات الأممية عن اتخاذ موقف حازم.
في المقابل، اكتفى المتحدثون باسم بعض الدول الغربية بالتعبير عن “القلق” والدعوة إلى “التحقيق”، في موقف يعكس ازدواجية المعايير. فلو كانت الجهة المعتدية دولة أخرى غير “إسرائيل”، لانهالت الإدانات، ولرأينا دعوات لعقد جلسات طارئة في مجلس الأمن، وربما فرض عقوبات.
لكن حين يكون الجاني هو الاحتلال، تُختزل الجريمة في “خطأ غير مقصود”، وكأن أرواح الفلسطينيين والعمل الإنساني لا يساويان شيئاً.
الاحتلال يواصل جرائمه
قصف مقر الصليب الأحمر ليس مجرد قذيفة طائشة، بل رسالة واضحة من الاحتلال مفادها أن لا أحد في مأمن، وأن حتى منظمات الإغاثة ليست محصّنة.
هي محاولة لكسر شوكة التضامن، ومنع أي جهة من التوثيق أو التدخل لإنقاذ المحاصرين. ومع كل يوم يمرّ دون محاسبة، تتعزز قناعة الاحتلال بأنه فوق القانون.
يبقى السؤال: إلى متى سيواصل العالم غض الطرف عن جرائم إبادة تُرتكب على مرأى ومسمع من الجميع؟ ومتى تتحرك الضمائر قبل أن تُمحى غزة من الخريطة تحت غطاء “الخطأ غير المقصود”؟
اقرأ أيضًا : عملية مزدوجة تهز شمال فلسطين المحتلة: مقتل إسرائيلي وإصابة آخر في حيفا وسط تصاعد عمليات المقاومة
