كشفت هيئة البث العبرية عن تفاصيل خطيرة تتعلق بمحاولة اغتيال رئيس حركة حماس في غزة، خليل الحية، في مطلع حرب الإبادة على قطاع غزة. ووفق ما أوردته الهيئة، فإن العملية كانت مُعدّة للتنفيذ فور وصول الحية إلى مطار بيروت، بعد تتبّعه استخبارياً على امتداد مسار رحلته. وبلغت الخطة مرحلة الاستعداد لإطلاق صواريخ دقيقة، قبل أن تُلغى في اللحظات الأخيرة بذريعة “عدم التأكد الكامل” من موقع الهدف. 

هذا الكشف لا يعكس حادثة معزولة، بل يضعها ضمن نمط اغتيالات عابرة للحدود يتّبعها الاحتلال بلا اكتراث لسيادة الدول أو سلامة المدنيين.

قائمة أهداف مفتوحة

تؤكد المعطيات أن الحية كان على “قائمة أهداف” جيش الاحتلال خلال الأشهر الأولى من حرب الإبادة، أي قبل وقت طويل من محاولة الاغتيال الفاشلة التي جرت لاحقاً في الدوحة. وتكشف هذه الحقيقة عن منطق أمني توسّعي يعتمد الاستهداف الوقائي والانتقامي في آن واحد، حيث تُدار بنك أهداف متحرك يتجاوز الجغرافيا الفلسطينية إلى العواصم العربية. ويعكس ذلك عقلية ترى في الاغتيال أداة سياسية وعسكرية لإدارة الصراع، لا مجرد ردّ فعل ظرفي، بما يفضح استخفاف الاحتلال بالقانون الدولي وقواعد الاشتباك.

فضيحة الدوحة السياسية

في الدوحة، تحوّلت محاولة الاغتيال إلى فضيحة مدوّية. فقد استهدف الاحتلال مقر اجتماع قيادات الحركة داخل منزل الحية بصواريخ شديدة التدمير، أثناء اجتماع وفد التفاوض لمناقشة الرد على مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب. وأسفر الهجوم عن استشهاد عدد من أفراد الحماية والمرافقين وضابط قطري، من بينهم همام نجل الحية. لم يفشل الاغتيال فحسب، بل فجّر موجة استنكار عربي ودولي، إذ طال بلد الوساطة، وكشف استعداد الاحتلال لتقويض أي مسار تفاوضي عبر التصعيد الدموي، حتى لو أحرج حلفاءه وأربك الوسطاء.

سجل دموي متكرر

ليست هذه المحاولة الأولى في سجل الاستهداف. ففي عام 2014، تعرّض الحية لمحاولة اغتيال عقب قصف منزله في حي الشجاعية شرقي غزة، ما أدى إلى استشهاد نجله وزوجة نجله وحفيديه وعدد من أفراد العائلة، فيما نجا القيادي لعدم وجوده في المكان. هذا النمط—استهداف البيوت والعائلات—يكشف جوهر سياسة الاغتيال الإسرائيلية التي لا تفرّق بين مقاتل ومدني، ولا تتورّع عن استخدام العقاب الجماعي كوسيلة ضغط وإرهاب.

إجرام بلا محاسبة

تكشف الوقائع المتراكمة أن الاغتيال لدى الاحتلال ليس “خياراً أخيراً”، بل سياسة مؤسسية تُدار بتنسيق استخباري عالي المستوى، وتُنفّذ حيثما أمكن، مع الاستعداد لتحمّل تبعات دبلوماسية محدودة طالما تغيب المحاسبة. فمحاولة الاغتيال في مطار مدني دولي، ثم القصف في عاصمة وسيطة، يشيان بعقيدة ترى العالم ساحة مفتوحة، والقانون الدولي تفصيلاً يمكن تجاوزه. الأخطر أن هذه العقيدة تُنتج دوّامة عنف متصاعدة، تُقوّض فرص التهدئة، وتدفع المنطقة إلى حافة انفجارات أوسع.

خلاصة المشهد

إن كشف محاولة اغتيال خليل الحية في مطار بيروت، وما سبقها وتلاها من عمليات، يقدّم دليلاً إضافياً على إجرام الاحتلال وتوسّعه المنهجي في استخدام الاغتيال كسلاح سياسي. وبينما تتعثر المسارات الدبلوماسية، يواصل الاحتلال فرض منطقه بالقوة، ضارباً بعرض الحائط سيادة الدول وأرواح الأبرياء. ويبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يستمر هذا النهج بلا مساءلة، وما الثمن الذي ستدفعه المنطقة إن ظلّ الإفلات من العقاب هو القاعدة؟

اقرأ أيضًا ” ميليشيا الإمارات الانتقالي تقتحم مقر صحيفة بعدن في رسالة إرهاب صريحة