يواصل الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاته المتصاعدة في قطاع غزة، في مشهد يعكس سياسة ممنهجة تقوم على استهداف المدنيين والبنية التحتية دون أي اعتبار للقوانين الدولية أو الإنسانية. فقد استُشهد فلسطينيان وأصيب ثالث، فجر اليوم الاثنين، إثر غارة جوية استهدفت حي الزيتون جنوب مدينة غزة، في استمرار لسلسلة الضربات التي تطال المناطق المأهولة بالسكان.
وبحسب مصادر ميدانية، فإن القصف استهدف مواطنين قرب مفترق عسقولة، وهو موقع مدني معروف، ما يؤكد تعمد الاحتلال ضرب التجمعات السكانية بشكل مباشر. وتأتي هذه الغارة ضمن نمط متكرر من العمليات العسكرية التي تستهدف الأحياء السكنية، في إطار سياسة تهدف إلى بث الرعب وإجبار السكان على النزوح القسري.
![]()
“الخط الأصفر”.. منطقة تدمير ممنهج وإعادة تشكيل جغرافي بالقوة
في موازاة القصف الجوي، نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف واسعة لمبانٍ ومنشآت داخل المناطق التي تسيطر عليها شرق ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” شرقي حي التفاح. ويشير هذا السلوك إلى استراتيجية واضحة تهدف إلى إعادة رسم الواقع الجغرافي للقطاع بالقوة، عبر تدمير المناطق الحيوية وتحويلها إلى مناطق عازلة.
ولا يقتصر هذا النهج على الأهداف العسكرية المزعومة، بل يمتد ليشمل أحياء كاملة، ما يكشف عن توجه نحو إحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي طويل الأمد. ويُعد استخدام المتفجرات لنسف المباني داخل مناطق السيطرة أحد أبرز مظاهر هذه السياسة، التي تتجاوز العمليات العسكرية التقليدية نحو مشروع تدمير شامل.
القصف المدفعي يطال الوسط والجنوب ويعمّق المأساة الإنسانية
بالتوازي مع الغارات الجوية وعمليات النسف، استهدفت مدفعية الاحتلال مناطق شرقي مدينتي دير البلح وخان يونس، ما أدى إلى توسيع رقعة العدوان لتشمل معظم أنحاء القطاع. ويعكس هذا الانتشار في القصف رغبة في إنهاك السكان وإبقاء الضغط العسكري والنفسي مستمراً.
وفي سياق متصل، ارتفعت حصيلة الشهداء منذ فجر الأحد إلى 11 شهيداً، بينهم 8 قضوا في غارتين استهدفتا تجمعين للمدنيين في منطقة بئر 19 بمواصي خان يونس. كما استُشهد فلسطيني آخر برصاص الاحتلال قرب دوار بني سهيلا، في تأكيد إضافي على أن الاستهداف لا يقتصر على القصف الجوي، بل يشمل أيضاً إطلاق النار المباشر على المدنيين.
خرق مستمر لاتفاق وقف إطلاق النار وتآكل أي فرص للتهدئة
رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، إلا أن الاحتلال واصل ارتكاب مئات الخروقات، عبر القصف وإطلاق النار، ما أدى إلى استشهاد 694 فلسطينياً وإصابة نحو 1896 آخرين خلال فترة يفترض أنها مرحلة تهدئة. هذا الواقع يكشف أن الاتفاق لم يكن سوى غطاء شكلي، في ظل غياب أي آليات حقيقية لردع الانتهاكات.
ويطرح هذا السلوك تساؤلات جدية حول جدوى الاتفاقات في ظل استمرار الاحتلال في تجاوزها دون محاسبة، ما يكرّس حالة من انعدام الثقة ويقوض أي جهود سياسية مستقبلية لوقف التصعيد.
حرب طويلة ودمار شامل بدعم دولي واضح
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، شن الاحتلال عدواناً واسعاً على قطاع غزة استمر نحو عامين، وأسفر عن أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف جريح، في واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الحديث للمنطقة. ولم تتوقف آثار هذه الحرب عند الخسائر البشرية، بل امتدت لتشمل دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية.
ويأتي هذا العدوان بدعم أمريكي واضح، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، ما يمنح الاحتلال غطاءً للاستمرار في انتهاكاته دون خشية من المساءلة الدولية. ويُعد هذا الدعم أحد العوامل الرئيسية التي تفسر استمرار الجرائم وتوسعها.
جريمة مستمرة وصمت دولي يفاقم الكارثة
ما يجري في غزة لا يمكن اعتباره مجرد عمليات عسكرية، بل هو جريمة متواصلة تتخذ أشكالاً متعددة، من القصف المباشر إلى التدمير الممنهج والحصار الخانق. ومع ذلك، يواجه هذا الواقع بصمت دولي لافت، يرقى في كثير من الأحيان إلى مستوى التواطؤ.
إن استمرار هذا الصمت يشجع الاحتلال على المضي قدماً في سياساته العدوانية، ويترك المدنيين الفلسطينيين في مواجهة مصيرهم دون حماية. وفي ظل غياب أي تحرك دولي جاد، تبدو غزة عالقة في دائرة مفتوحة من العنف، حيث تتكرر المجازر دون رادع، وتتعمق المأساة الإنسانية يوماً بعد يوم.
اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران