لم ينهَر الاقتصاد العالمي حتى الآن، لكن قدرته على الصمود لا تمنح دونالد ترامب شهادة براءة من الأزمات التي أسهمت سياساته في تعميقها. فالحرب مع إيران، واتساع الاضطراب في الشرق الأوسط، والصدام التجاري بين واشنطن وبكين، تفرض تكاليف تتجاوز أطراف المواجهة المباشرة: طاقة أغلى، وإمدادات أكثر هشاشة، وضغوط على الأسعار والديون، وحكومات تجد نفسها أمام خيارات مؤلمة يدفع المواطنون ثمنها.

هذه هي المفارقة التي يعرضها تقرير في «الغارديان»: الاقتصاد العالمي يحاول التماسك رغم تراكم الصدمات، لكن الوسائل التي خففت آثارها ليست ضمانات دائمة. وبينما يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية لبحث المخاطر، تزداد الحاجة إلى تعاون دولي تعرقل السياسات الأمريكية المتقلبة فرص تحقيقه. ولا تقتصر المشكلة على القرارات التي يتخذها ترامب، بل تمتد إلى ضعف المؤسسات المفترض أن تحدّ من أضرارها، وإحجامها عن مواجهته بوضوح.

اقتصاد يصمد رغم السياسات المتهورة

يرصد المقال حربين إقليميتين كبيرتين تربكان الأسعار وسلاسل الإمداد، وصدمة طاقة يشعر بها المنتجون والمستهلكون، وضغوطاً تضخمية تزيد صعوبة تمويل الديون الحكومية، إلى جانب خلاف تجاري حاد بين أكبر اقتصادين في العالم. ومع ذلك، لم تتحول هذه الضغوط إلى انهيار مالي شامل على غرار أزمة عام 2008.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى قدرة الاقتصادات على التكيف، فيما يتحدث المقال عن تحسن توقعات النمو البريطاني وإشادة الصندوق بخطة الحكومة لخفض العجز. لكن هذه المؤشرات الإيجابية المحدودة لا تلغي خطورة المسار العام. فاستمرار النمو تحت الضغط يختلف عن زوال مصادر الخطر، كما أن تأخر ظهور الأضرار بكامل حجمها لا يعني أن القرارات التي تسببت فيها أصبحت أقل كلفة.

بالنسبة إلى ترامب، تكشف هذه الصورة تناقضاً أساسياً: الرئيس الذي هاجم الحروب المفتوحة ورّط الولايات المتحدة في حرب يصعب إنهاؤها، بينما تتحمل اقتصادات بعيدة عن ساحة القتال جزءاً من فاتورتها.

ثلاثة عوامل أخّرت انتقال الصدمة بكامل قوتها

يحدد المقال ثلاثة أسباب رئيسية حالت دون تكرار الأثر السريع والعنيف لصدمات النفط السابقة. أولها الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، التي دعمت النشاط الاقتصادي، خصوصاً في الولايات المتحدة، ووفرت دفعة للنمو وسط بيئة مضطربة.

أما العامل الثاني فهو السحب من مخزونات النفط، الذي عوّض جزءاً من الإمدادات المفقودة من الشرق الأوسط وحدّ من ارتفاع الأسعار. وهذه نقطة حاسمة لفهم الوضع: جانب من الاستقرار الحالي تحقق باستهلاك احتياطيات جرى تكوينها سابقاً. وكلما طال الاضطراب، تقلصت قدرة تلك المخزونات على حماية الأسواق من صدمات إضافية.

ويتمثل العامل الثالث في الصادرات الصينية منخفضة الأسعار، التي خففت تكلفة الواردات في دول أخرى وساعدت على كبح التضخم. وهكذا، فإن الصين التي تدخل معها واشنطن في مواجهة تجارية تؤدي، في الوقت نفسه، دوراً في تخفيف ضغوط الأسعار على الاقتصاد العالمي.

هذه العوامل تفسر الصمود، لكنها تكشف هشاشته أيضاً: النمو يستند إلى موجة استثمار مركزة في قطاع واحد، واستنزاف مخزونات محدودة، وتجارة دولية تتعرض لضغوط سياسية متصاعدة.

حرب ترامب تصل إلى فواتير الناس

مع تدهور الوضع في الشرق الأوسط وامتداد المواجهة إلى السعودية، تصبح مخاطر الطاقة أكثر إلحاحاً. فاستمرار الحرب يهدد الإمدادات وطرق النقل، بينما تتراجع المخزونات التي امتصت جانباً من الصدمة الأولى. وكل اضطراب جديد يزيد احتمال ارتفاع التكلفة على المصانع وشركات النقل، ثم انتقالها إلى أسعار السلع والخدمات.

من هنا تتضح المسؤولية الاقتصادية للقرارات العسكرية المتهورة. فالحرب لا تنتهي آثارها عند ميزانيات الجيوش؛ إنها تدخل إلى فاتورة الكهرباء، وتكلفة نقل الغذاء، وقدرة الشركات على الاستثمار والتوظيف. وحين تستمر المواجهة من دون مخرج سياسي واضح، يُطلب من بقية العالم التكيف مع أزمة لم يخترها.

ولا يعني ذلك أن كل اختلال اقتصادي صنعه ترامب، لكن سياساته تضيف صدمات جديدة إلى نظام يعاني أصلاً من الديون والتفاوت وضعف أدوات الاستجابة.

الذكاء الاصطناعي يدعم النمو ويزاحم قطاعات أخرى

حتى طفرة الذكاء الاصطناعي، التي ساعدت على إبقاء الاقتصاد الأمريكي متماسكاً، تحمل تناقضاتها. فبحسب المقال، أدى الحجم الهائل للاستثمارات إلى زيادة الطلب على التمويل، ورفع تكلفة الاقتراض، وتقليص الأموال المتاحة لقطاعات أخرى.

وبذلك، يمكن أن تخفي أرقام النمو الإجمالية تفاوتاً متزايداً داخل الاقتصاد نفسه: شركات التكنولوجيا تستقطب رؤوس الأموال، بينما تواجه أنشطة أخرى صعوبة أكبر في تمويل توسعها. وفي المقابل، تضغط السلع الصينية الرخيصة على الصناعات الغربية وفرص العمل فيها، مع تعرض ألمانيا بصورة خاصة لهذه المنافسة.

المشكلة إذن أن العوامل التي تخفف الأزمة من جهة تولّد ضغوطاً جديدة من جهة أخرى، بما يجعل استمرار التوازن الحالي أكثر صعوبة.

الحكومات تستعد لتمرير الفاتورة إلى المواطنين

مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، تتعرض الحكومات لضغوط لخفض الإنفاق أو زيادة الضرائب بهدف تقليص العجز وطمأنة أسواق السندات. وينقل المقال تحذيرات مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي بشأن ضرورة تشديد إدارة المالية العامة.

لكن هذه الدعوات تأتي في وقت يريد فيه المواطنون حماية أكبر من الغلاء، وخدمات أفضل، وفرص عمل أكثر استقراراً. وهنا يبرز الخطر السياسي والاجتماعي: تتحول صدمات الحرب والطاقة والتمويل إلى إجراءات تقشفية تطال أشخاصاً لم يشاركوا في صنع الأزمة.

وتواجه الدول مأزقاً إضافياً؛ فهي مطالبة بتقوية الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على سلاسل إمداد هشة، لكن تنفيذ ذلك يحتاج إلى استثمارات وقدرات مالية، في اللحظة نفسها التي يُطلب منها فيها تقليص إنفاقها.

ترامب يفاقم الأزمة ومؤسسات العالم تتجنب مواجهته

يرى المقال أن هذه الظروف تستدعي تعاوناً دولياً قوياً، بينما يحدث العكس. فمنظمة التجارة العالمية عاجزة عن أداء دور فعّال وسط تصاعد الحمائية، وصندوق النقد والبنك الدولي مترددان في انتقاد سلوك ترامب المتقلب.

وتكشف هذه المفارقة خللاً في توزيع المساءلة: يُطلب من الحكومات ضبط ميزانياتها وتحمل كلفة التكيف، بينما لا تواجه القرارات الأمريكية التي تزيد الاضطراب نقداً مؤسسياً بالقوة نفسها. فالاقتصاد العالمي يحتاج إلى قواعد يمكن توقعها، لكن تقلب السياسة الأمريكية يجعل التخطيط والاستثمار وإدارة المخاطر أكثر صعوبة.

ومع ذلك، يحذر المقال من اختزال الحل في رحيل ترامب. فالمؤسسات الدولية كانت تعاني اختلالات عميقة قبل وصوله، ولن تستعيد فعاليتها تلقائياً بتغير الرئيس الأمريكي.

أزمة أقدم من ترامب، ورئاسة تزيدها خطورة

 

يستند المقال إلى نقد يطرحه المسؤول الأممي السابق ريتشارد كوزول رايت لصندوق النقد والبنك الدولي. فالمؤسستان اللتان نشأتا في إطار بريتون وودز عام 1944 ابتعدتا، وفق هذا النقد، عن مبادئ تدخل الدولة، والسياسة الصناعية، والتوظيف الكامل، ومساعدة الدول الفقيرة على التنمية.

وبدلاً من ذلك، دعمتا خلال العقود الأخيرة حركة رأس المال وحماية الأرباح الخاصة، وضيّقتا مساحة السياسات المتاحة للحكومات، بما أسهم في تفاقم التفاوت وأزمات الديون وانعدام الأمان الاقتصادي.

لهذا تبدو رعونة ترامب شديدة الخطورة: فهي تضرب نظاماً ضعفت قدرته على حماية المجتمعات من الصدمات. وما يؤخر الأزمة اليوم — من مخزونات النفط إلى طفرة الاستثمار التكنولوجي — لا يعالج أسبابها. وكلما استمرت الحروب والصدامات التجارية وتعطّل التعاون، ازدادت احتمالات أن تتحول قدرة الاقتصاد على الاحتمال إلى فاتورة اجتماعية واقتصادية أشد قسوة.