لم تتوقف آثار الحرب الإسرائيلية عند أحياء غزة المدمرة وعائلاتها التي أُبيدت أو شُرّدت، فقد امتدت إلى منطقة تتسع فيها جبهات القتال، وإلى نظام دولي تتراجع فيه قيمة القانون كلما تعلق الأمر بمحاسبة إسرائيل. وبعد ثلاث سنوات من الحرب، أصبح السؤال يتجاوز ما فعلته القوات الإسرائيلية بالفلسطينيين إلى ما أتاحه حلفاؤها من إفلات متواصل من العقاب، وكيف أسهم هذا الغطاء في تحويل استخدام القوة إلى سياسة تتجاوز الحدود دون رادع كافٍ.

في مقال نشرته «الغارديان»، يربط الكاتب ستيف بلومفيلد بين تدمير غزة واتساع الحروب الإقليمية وانهيار الثقة بالخطاب الغربي عن حقوق الإنسان. وتقوم قراءته على أن الحكومات التي امتلكت أدوات الضغط على إسرائيل اختارت دعمها خلال مراحل حاسمة، ثم وجدت المنطقة أمام سلسلة من المواجهات التي يصعب احتواء تبعاتها. وتضع هذه النتيجة أيضاً خطاب التطبيع أمام فشله السياسي: العلاقات التي سُوّقت باعتبارها طريقاً إلى السلام لم تتحول إلى وسيلة فعالة لحماية الفلسطينيين أو كبح الاعتداءات الإسرائيلية.

غزة كما تكشفها الصور: تدمير مقومات الحياة

يستهل بلومفيلد وصفه لحجم الدمار بالإشارة إلى تحديث صور الأقمار الصناعية في خرائط «غوغل»، الذي أظهر اختفاء معالم كانت قائمة قبل الحرب، وتحول مناطق عمرانية كاملة إلى ركام، وامتلاء مساحات من الشاطئ بخيام النازحين. وتعكس المقارنة بين الصور القديمة والجديدة انهيار البيئة التي كانت تتيح للناس العيش والعمل والتعلم والعلاج.

ويورد المقال حصيلة تتجاوز 73 ألف قتيل فلسطيني، بينهم 21 ألف طفل، ليربط الأرقام بما تعنيه على مستوى المجتمع: عائلات فقدت أبناءها، وأطفال فقدوا ذويهم، وأحياء خلت من سكانها، وناجون حُرموا من البيوت والخدمات ومصادر الرزق. ويصف الكاتب المشهد باعتباره محاولة لتدمير شعب، مستنداً إلى اتساع استهداف مقومات بقائه.

وتكشف صور الخيام المتلاصقة على الساحل جانباً آخر من الكارثة؛ فالبقاء على قيد الحياة أصبح مرتبطاً بالعثور على مأوى وماء وغذاء، بينما تراجع إمكان العودة إلى حياة مستقرة مع تدمير المساكن والمنشآت التي يحتاجها السكان. وهكذا تمتد نتائج القصف إلى ما بعد لحظة الهجوم، لتحدد شروط حياة أجيال كاملة.

الأمن ذريعة لحروب تتجاوز الحدود

ينطلق المقال من هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي قتل نحو 1200 شخص في إسرائيل وحطم الصورة الأمنية التي روّج لها بنيامين نتنياهو، ثم يتناول كيف استخدمت الحكومة الإسرائيلية حماية الحدود لتبرير سلسلة من العمليات والحروب خارج غزة.

ويتحدث بلومفيلد عن إرسال قوات إلى سوريا، وعن السيطرة على أجزاء من جنوب لبنان بما يصفه بأنه ضم فعلي، وعن نقل أساليب التدمير المستخدمة في غزة إلى مناطق لبنانية. ويربط ذلك بالحرب التي خاضتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، والتي امتدت تداعياتها إلى دول الخليج الست.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن كل مواجهة تخلق ظروفاً لتصعيد جديد، وتضيف أطرافاً وأهدافاً إلى صراع يتجاوز حدوده الأولى. فالهجوم يعقبه رد، والرد يُستخدم لتبرير توسيع العمليات، بينما تتراجع فرص الحل السياسي مع تراكم الضحايا وتعاظم الخوف والعداء.

ولا يجعل هذا الترابط إسرائيل صاحبة القرار في كل نزاع بالمنطقة؛ إذ تمتلك الأطراف الأخرى أهدافها ومسؤولياتها. لكنه يوضح الكلفة الإقليمية لسياسة توسع استخدام القوة، ويضع الحماية الدولية التي تتمتع بها إسرائيل ضمن العوامل التي شجعت استمرارها.

الغرب حوّل القانون الدولي إلى معيار انتقائي

يرى بلومفيلد أن أحد أعمق التحولات التي كشفتها الحرب يتعلق بانهيار السلطة الأخلاقية للخطاب الغربي. فعندما غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، استند القادة الغربيون إلى سيادة الدول ورفض العدوان واحترام القانون الدولي، وطالبوا العالم باتخاذ موقف على هذا الأساس. وفي غزة، استمر دعم إسرائيل رغم انكشاف حجم التدمير والانتهاكات.

هذا التناقض أصاب جوهر الرسالة الغربية؛ فالقانون الذي يُستدعى لمواجهة خصم ثم تُضعف آليات تطبيقه عندما يتعلق الأمر بحليف يفقد معناه باعتباره قاعدة مشتركة. ويصبح الحديث عن حماية المدنيين أقل إقناعاً حين يستمر توفير السلاح والغطاء السياسي للطرف الذي يعرض حياتهم للخطر.

ويؤكد الكاتب أن هذه الازدواجية أصبحت واضحة لشعوب الجنوب العالمي ولملايين المواطنين داخل الدول الغربية نفسها. ولم يعد ممكناً فصل التصريحات الدبلوماسية عن صور الضحايا، أو مطالبة الناس بالثقة في مبادئ تُطبق وفق هوية مرتكب الانتهاك.

السلاح والفيتو ومهاجمة المساءلة

يحمل المقال إدارة جو بايدن مسؤولية أساسية عن استمرار الدعم العسكري لإسرائيل، واستخدام الفيتو ضد مشروعات قرارات تطالب بوقف إطلاق النار، ومهاجمة مساعي المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة نتنياهو. ويشدد على أن تقويض النظام الدولي لم يبدأ مع دونالد ترامب، بل سبقه تعامل إدارة بايدن مع الحرب.

وفي هذا السياق، يرفض بلومفيلد الإيحاء بأن واشنطن تفتقر إلى أدوات التأثير. ويستحضر سوابق استخدمت فيها إدارات أمريكية الضغط على إسرائيل، منها تعليق ترتيبات وصفقات في عهد رونالد ريغان عقب ضم الجولان، ووقف تزويدها بذخائر عنقودية بعد استخدامها في مناطق مأهولة خلال غزو لبنان، ومراجعة استخدام الأسلحة الأمريكية عقب مقتل فلسطينيين في غزة عام 2002.

تخدم هذه المقارنة استنتاجاً واضحاً: النفوذ موجود، واستخدامه قرار سياسي. ولذلك فإن استمرار الإمدادات والحماية الدبلوماسية، مع تصاعد أعداد الضحايا، يعكس ترتيباً للأولويات تتحمل الحكومات المعنية مسؤوليته، ويقوض ادعاء أنها فعلت كل ما تستطيع لوقف الكارثة.

التطبيع أمام نتائج وعوده

تضع هذه الوقائع الحكومات المطبّعة، وفي مقدمتها الإمارات، أمام سؤال عن حصيلة السياسات التي قدمتها لشعوب المنطقة باعتبارها طريقاً إلى الاستقرار والتأثير في السلوك الإسرائيلي. فقد استمرت الحرب واتسعت المواجهات، بينما لم تتحول العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية إلى ضغط يوازي حجم ما تعرض له الفلسطينيون.

المساءلة هنا تتعلق بما فعلته تلك الحكومات بالعلاقات التي بنتها، وبالثمن السياسي الذي فرضته أو امتنعت عن فرضه. فالحفاظ على مزايا العلاقة مع إسرائيل، من دون ربطها بتغيير ملموس في سلوكها، يضعف الرسالة القائلة إن الاعتداءات لها عواقب، ويجعل وعود السلام منفصلة عن حماية أصحاب الأرض والحقوق.

وبالنسبة إلى أبوظبي، فإن تقديم التطبيع بوصفه إنجازاً إقليمياً يستوجب مواجهة نتائجه بمعيار أوسع من الاتفاقات والمبادلات والزيارات الرسمية. المعيار هو أمن الناس، وإنهاء الاحتلال، وحماية الفلسطينيين من القتل والتهجير. واستمرار الكارثة يفرض مساءلة هذا الرهان، بدلاً من الاكتفاء بإعادة ترديد اللغة التي رافقت إطلاقه.

الضحايا ظاهرون، والإنكار السياسي مستمر

يشير بلومفيلد إلى أن منع الصحفيين الدوليين من الوصول إلى غزة لم يمنع العالم من معرفة ما يجري. فقد نقل الصحفيون الفلسطينيون صور المستشفيات والمدارس المقصوفة، والقتلى عند نقاط توزيع الغذاء، والأطفال الذين حُرموا من العلاج والماء والطعام.

وتعني هذه التغطية أن الحكومات الداعمة لإسرائيل لم تتخذ مواقفها في غياب المعلومات. كانت آثار الحرب متاحة للمشاهدة، وكانت شهادات السكان تصل إلى الجمهور بصورة مستمرة، وهو ما يجعل الفجوة بين المعرفة والفعل السياسي جزءاً أساسياً من المسؤولية.

كما يتوقف المقال عند استخدام الذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف، محذراً من تسارع التحول نحو أساليب حرب توسع قدرة المؤسسات العسكرية على إنتاج قوائم الاستهداف. وتزيد هذه الأدوات الحاجة إلى التدقيق والمساءلة، لأن السرعة التقنية لا تمنح القرار العسكري مشروعية، ولا تُسقط مسؤولية البشر الذين يعتمدونه وينفذونه.

الإفلات من العقاب يمتد أثره إلى حروب أخرى

يربط الكاتب بين غزة وتجارب سبقتها أو تزامنت معها، وفي مقدمتها حرب تيغراي والحرب في السودان. ويستحضر تقديرات بمقتل 600 ألف شخص في تيغراي، إلى جانب المجازر والتجويع واستخدام المسيّرات، ثم يتناول الاعتداءات على المستشفيات والنساء والأطفال في السودان، حيث لم تؤدِ معرفة العالم بالانتهاكات إلى محاسبة تتناسب مع حجمها.

توضح هذه المقارنة أن أزمة العدالة الدولية أقدم من حرب غزة، وأن السماح بمرور الجرائم دون عواقب يخلق بيئة تتكرر فيها الانتهاكات. ويرى بلومفيلد أن غزة سرّعت هذا التدهور، بما كشفته من استعداد دول نافذة لحماية حليف رغم الكلفة البشرية الهائلة.

ومع تشابك المواجهات من لبنان واليمن إلى السودان وإثيوبيا، يعيش المدنيون تبعات تنافس تتداخل فيه المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية. وتختلف أسباب هذه الحروب وأطرافها، بينما يجمع ضحاياها شعور بأن المؤسسات التي تعد بحمايتهم لا تملك الإرادة أو القدرة على فرض تلك الحماية.

المحاسبة هي الاختبار الذي لا تعوضه البيانات

يرصد المقال تغيراً في بعض المواقف السياسية واتساع التأييد للحقوق الفلسطينية، ويرى في ذلك فرصة لزيادة الضغط على إسرائيل. وتبقى قيمة هذا التحول مرتبطة بقدرته على تغيير السياسات: تقييد السلاح، ودعم المساءلة، ووقف المكاسب التي يتيحها استمرار الاحتلال، وحماية المدنيين فعلياً.

فالغضب المتأخر لا يعيد الضحايا، والتصريحات الجديدة لا تمحو مسؤولية القرارات السابقة. ويشمل ذلك الدول الغربية التي وفرت الدعم، والحكومات التي روّجت لعلاقاتها بإسرائيل باعتبارها ضماناً للسلام، ثم عجزت عن إظهار أثر هذا النفوذ عندما أصبح الفلسطينيون في أمسّ الحاجة إلى الحماية.

لقد كشفت غزة ما يحدث عندما تُمنح القوة العسكرية مساحة واسعة للعمل دون عواقب متناسبة مع أفعالها. وفي نهاية هذا المسار، تبقى العائلات تحت القصف أو في الخيام، بينما تُناقش معاناتها في بيانات ومفاوضات لا تغير شروط حياتها. وإنهاء هذه المعادلة يبدأ بفرض كلفة على الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وبالتخلي عن فكرة أن أمن إسرائيل أو مصالح حلفائها تمنحها حقاً في تدمير حياة الآخرين.