في تصعيد جديد يضاف إلى سجل الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية، احتجزت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الأحد، عدداً من المصلين الفلسطينيين داخل المسجد القديم في قرية كفر نعمة غرب رام الله. ووفق ما نقلته وكالة وفا عن مصادر محلية، اقتحمت قوات الاحتلال القرية وحاصرت المسجد أثناء وجود المصلين داخله، مانعةً المواطنين من الاقتراب، ومستخدمةً قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع في محيط المسجد وأحياء القرية.
هذا المشهد، الذي بات يتكرر في مناطق عدة من الضفة، خلق حالة من الذعر بين السكان، لا سيما النساء والأطفال، في وقت شددت فيه القوات إجراءاتها العسكرية دون الإبلاغ عن إصابات. ويعكس الاحتجاز داخل أماكن العبادة سياسة عقابية جماعية تستهدف كسر الشعور بالأمان، وتحوّل الصلاة نفسها إلى فعل محفوف بالمخاطر.
سياسة ممنهجة لتقييد حرية العبادة
لا يمكن قراءة حادثة كفر نعمة بمعزل عن سياق أوسع من القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على حرية العبادة للفلسطينيين. فاقتحام المساجد، ومحاصرتها، واحتجاز المصلين، ليست إجراءات أمنية طارئة، بل أدوات ضغط تُستخدم لفرض السيطرة وإرسال رسائل ردع جماعية.
هذه الممارسات تُفرغ دور العبادة من قدسيتها، وتحوّلها إلى ساحات مواجهة، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني الذي يضمن حماية الأماكن الدينية وحرية ممارسة الشعائر دون ترهيب أو تدخل عسكري.
المسجد الإبراهيمي.. نموذج للتصعيد المتدرج
بالتوازي مع ما جرى غرب رام الله، اتخذ الاحتلال خطوات تصعيدية في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية. فقد قررت قوات الاحتلال إبعاد الشيخ معتز أبو سنينة، إمام المسجد ومديره، ورئيس السدنة همام أبو مرخية، لمدة 15 يوماً، دون تقديم أسباب واضحة.
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية وصفت القرار بأنه “تصعيد خطير” يستهدف إدارة الحرم وطاقمه، ويأتي ضمن سياسة تضييق ممنهجة لتقليص دور المرجعيات الدينية والإدارية، بما يمس المكانة الدينية والتاريخية للمسجد.
تفريغ الحرم من مرجعياته الرسمية
الوزارة حذّرت من أن هذه الإجراءات تشكّل سابقة خطيرة تهدف إلى إفراغ المسجد الإبراهيمي من مرجعياته الرسمية، وفرض واقع جديد يعوق حرية العبادة وسير العمل داخله. ويقع المسجد في البلدة القديمة بالخليل، الخاضعة لسيطرة الاحتلال، حيث يعيش نحو 400 مستوطن تحت حماية قرابة 1500 جندي إسرائيلي، في اختلال صارخ لمعادلة الأمن والعدالة.
ويخضع المسجد لإدارة وزارة الأوقاف الفلسطينية بموجب اتفاقية الخليل الموقعة عام 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، إلا أن السلطات الإسرائيلية تعمل تدريجياً على تقويض هذه الترتيبات.
سحب الصلاحيات وفرض الوقائع بالقوة
في مطلع كانون الثاني/يناير الجاري، أقدمت سلطات الاحتلال على سحب صلاحيات التنظيم والبناء في المسجد الإبراهيمي من بلدية الخليل الفلسطينية، ومنحها للجنة تخطيط إسرائيلية. وتُعد هذه الخطوة امتداداً لسياسة “الضم الصامت” التي تستهدف إعادة تشكيل إدارة المكان بما يخدم الأجندة الاستيطانية، ويُحكم القبضة على أحد أبرز المعالم الدينية في الضفة.
هذا المسار يعكس منطق فرض الوقائع بالقوة، عبر قرارات إدارية وأمنية تُغلف بخطاب قانوني، بينما هدفها الفعلي تغيير الوضع القائم وتكريس السيطرة.
أرقام تكشف حجم الإجرام المنهجي
وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت قوات الاحتلال والمستوطنون خلال العام الماضي 23,827 اعتداءً بحق المواطنين وممتلكاتهم في مختلف محافظات الضفة الغربية. وتوزعت هذه الاعتداءات بين 18,384 نفذها جيش الاحتلال، و4,723 نفذها المستوطنون، إضافة إلى 720 اعتداءً نفذها الطرفان معاً.
هذه الأرقام لا تعكس فقط كثافة الانتهاكات، بل تؤكد طابعها المنهجي، حيث تتكامل أدوار الجيش والمستوطنين في استهداف الإنسان والأرض والمقدسات، ضمن سياسة واحدة.
خلاصة: استهداف المقدس كأداة قمع
من كفر نعمة غرب رام الله إلى المسجد الإبراهيمي في الخليل، يتضح أن استهداف دور العبادة بات جزءاً مركزياً من منظومة القمع الإسرائيلية. احتجاز المصلين، إبعاد الأئمة، سحب الصلاحيات، وتكريس الوجود العسكري والاستيطاني، كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى كسر الإرادة الفلسطينية وفرض الهيمنة بالقوة.
أمام هذا الواقع، لا تبدو الانتهاكات أحداثاً معزولة، بل سياسة إجرامية مستمرة، تُدار بوعي وتخطيط، وتستهدف الإنسان الفلسطيني في عقيدته، وحقه في العبادة، وأمنه اليومي، في تحدٍ صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية.
اقرأ أيضا : الإمارات وتمزيق الصومال: دعوة رئاسية للحوار في مواجهة مشروع التطبيع والانفصال