أثار تعليق السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي، حين قال إن «على الصبيان السعوديين أن يعرفوا»، موجة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية، لأنه لم يأتِ في فراغ، بل جاء ردًا على تسريب حساس نشره موقع أكسيوس نقلاً عن مراسله باراك رافيد حول موقف سعودي غير معلن من احتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران.

العبارة بدت للوهلة الأولى مستفزة وغير دبلوماسية، لكنها في سياقها السياسي الأوسع تعكس صراع نفوذ خفي داخل واشنطن، حيث تتقاطع مصالح أطراف إقليمية مختلفة، وتحاول كل جهة التأثير على قرار البيت الأبيض تجاه إيران. استخدام وصف “الصبيان السعوديين” يحمل نبرة استعلائية توحي بأن ثمة من يريد تذكير الرياض بحدود دورها، أو الضغط عليها لتبنّي موقف أكثر انسجامًا مع الرؤية الإسرائيلية للتصعيد مع طهران.

الرياض بين العلن والكواليس

بحسب التسريبات، فإن الأمير خالد بن سلمان قال في إحاطة مغلقة بواشنطن إن عدم تنفيذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهديداته ضد إيران سيجعل “النظام الإيراني يخرج أقوى”. هذا الكلام يمثل تحوّلًا عن الخطاب السعودي العلني الذي يؤكد على التهدئة والحلول الدبلوماسية.

في العلن، أبلغ ولي العهد محمد بن سلمان القيادة الإيرانية أن المملكة لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لشن هجوم، وأكد احترام سيادة إيران. لكن في الكواليس، تظهر الرياض قلقة من سيناريو معاكس: لا حرب تحسم الملف، ولا اتفاق يقيّد إيران، بل وضع رمادي يعزز نفوذ طهران الإقليمي تدريجيًا.

هذا التناقض بين الخطابين العلني والخاص يعكس مأزقًا استراتيجيًا سعوديًا: فهي لا تريد حربًا مدمرة في الخليج، لكنها في الوقت ذاته لا تريد إيران أقوى بعد جولة تهديدات أمريكية بلا فعل.

واشنطن بلا استراتيجية واضحة

اجتماعات الأمير خالد في واشنطن مع وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث ومسؤولين عسكريين كبار، ركزت على سيناريو الضربة المحتملة لإيران. ومع ذلك، خرج السعوديون – وفق التسريبات – دون فهم واضح لاستراتيجية الإدارة الأمريكية.

واشنطن حشدت قوات في الخليج، لكنها تكرر أن القرار النهائي لم يُتخذ، وأن الباب الدبلوماسي لم يُغلق. في المقابل، تقول طهران إنها لن تقبل “الشروط القصوى” الأمريكية. النتيجة هي حالة جمود خطير: ضربة عسكرية محفوفة بعواقب إقليمية واسعة، وعدم الضربة قد يُفسَّر كضعف يشجع إيران على مزيد من التمدد.

هذا الفراغ الاستراتيجي الأمريكي يفتح المجال أمام قوى الضغط داخل واشنطن لمحاولة توجيه البوصلة، وهنا يظهر دور اللوبيات المختلفة.

صراع لوبيات داخل واشنطن

تعليق هاكابي لا يمكن فصله عن بيئة سياسية أمريكية يتزايد فيها تأثير التيارات المؤيدة لإسرائيل، التي تدفع باتجاه موقف أكثر تشددًا مع إيران، وترى في أي تردد أمريكي تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل.

في المقابل، تبدو السعودية أكثر حذرًا، بينما تظهر الإمارات في كثير من الأحيان أقرب إلى هذا التيار المتشدد، سواء عبر شبكات علاقات قوية في مراكز الأبحاث ودوائر القرار، أو عبر خطاب يربط أمن المنطقة بضرب إيران وتقليص نفوذها بالقوة.

من هنا يمكن قراءة التصريح كجزء من معركة سرديات: تصوير الموقف السعودي المتردد على أنه سذاجة أو ضعف، مقابل إبراز مواقف أكثر تصعيدًا تتبناها أطراف أخرى في المنطقة وتحظى بدعم لوبيات نافذة في واشنطن.

الإمارات كلاعب مفضل لدى دوائر الضغط

خلال السنوات الأخيرة، بنت أبوظبي حضورًا قويًا داخل المؤسسات البحثية والسياسية الأمريكية، ونجحت في تقديم نفسها كشريك “موثوق وحاسم” في مواجهة إيران والتيارات الإسلامية المسلحة. هذا الخطاب يلقى صدى إيجابيًا لدى جماعات ضغط قريبة من إسرائيل، ترى في التقارب الإماراتي الإسرائيلي نموذجًا إقليميًا مريحًا.

في المقابل، يُنظر إلى السعودية أحيانًا على أنها لاعب أكبر لكنه أكثر حذرًا وتقلبًا، خاصة بعد محاولاتها فتح قنوات تهدئة مع طهران عبر وساطات إقليمية. هذا الحذر السعودي قد يُفسَّر داخل دوائر الضغط المتشددة كعقبة أمام مشروع مواجهة شاملة مع إيران.

لذلك فإن أي انتقاد علني للسعودية، حتى لو جاء بصيغة تعليق سريع، يخدم ضمنيًا سردية تفضّل الشريك الأكثر اندفاعًا في التصعيد، وتضغط على الشريك المتحفظ كي يلتحق بالركب.

المنطقة عالقة بين خيارين سيئين

وفق توصيف أحد المسؤولين الخليجيين، فإن المنطقة عالقة بين احتمالين كلاهما مرّ: ضربة أمريكية لإيران بعواقب سيئة جدًا، أو عدم الضربة بما يعني خروج إيران أقوى. هذا المأزق هو ما يدفع بعض العواصم إلى الكلام بلغة مختلفة خلف الأبواب المغلقة عمّا تقوله أمام الكاميرات.

تصريح هاكابي، والتسريبات عن كلام الأمير خالد، وردود الفعل الواسعة عليها، تكشف أن الصراع لم يعد فقط حول ما إذا كانت هناك حرب أم لا، بل حول من يملك حق تعريف “المصلحة الإقليمية” ومن ينجح في تسويق تعريفه داخل واشنطن.

في هذا السياق، يصبح الخطاب الإعلامي جزءًا من المعركة السياسية، وتتحول جملة عابرة إلى مؤشر على ميزان قوى خفي: لوبيات تدفع نحو التصعيد وتجد في الإمارات حليفًا مثاليًا، وسعودية تحاول الموازنة بين منع الانفجار الشامل وعدم تمكين خصمها الإقليمي من الخروج منتصرًا دون مواجهة.

اقرأ أيضًا : مجزرة عائلة كاملة في غزة..غارات الفجر تكشف غدر الاحتلال