مع ساعات الفجر الأولى، عادت طائرات الاحتلال لتحوّل ليل قطاع غزة إلى نهار من نار، في سلسلة غارات مركّزة استهدفت مناطق يفترض أنها “ملاذ أخير” للنازحين الهاربين من القصف. لم تكن المواقع المستهدفة مواقع عسكرية أو نقاط اشتباك، بل خياما وشققا سكنية تؤوي عائلات فرت من الموت لتجده مجددا فوق رؤوسها.

في شمال غرب مدينة خانيونس، سقطت غارة واحدة كفيلة بمحو عائلة كاملة تقريبا من السجل الحي للحياة. خيمة بسيطة من القماش والبلاستيك، أقيمت فوق أرض خالية، تحولت في ثوانٍ إلى كتلة من اللهب والركام. سبعة شهداء من عائلة واحدة قضوا دفعة واحدة: الجد المسن وأبناؤه وأحفاده، في مشهد يلخّص طبيعة الضربات التي لم تعد تميّز بين مقاتل ومدني، ولا بين بيت وخيمة.

القصف لم يكتف بالخيمة المستهدفة، بل امتدت ألسنة النار إلى خيام مجاورة، فأحرقت بعضها وأصابت نازحين آخرين بجراح متفاوتة. هكذا يتحول تجمع إنساني هش إلى مصيدة جماعية، حيث يصبح القرب من عائلة أخرى خطرا إضافيا لا حماية.

استهداف العائلات كسياسة ميدانية

اللافت في هذه الغارات أنها تضرب بنية العائلة ذاتها. حين يُقتل الجد مع أبنائه وأحفاده في لحظة واحدة، لا تكون الخسارة مجرد أرقام في إحصائية، بل اقتلاع لسلسلة نسب كاملة. هذا النمط من الضربات يخلّف وراءه فراغا اجتماعيا ونفسيا هائلا، إذ تتحول العائلات الممتدة إلى أسماء منقوشة على قوائم الشهداء.

استهداف خيمة نازحين يعني عمليا استهداف أشخاص سبق أن نزحوا قسرا من بيوتهم المدمرة. أي أن الضربة تأتي بعد سلسلة معاناة: تهجير، فقدان منزل، لجوء إلى خيمة، ثم قصف الخيمة نفسها. بذلك يتكرس شعور لدى السكان أن لا مكان آمنا على الإطلاق، وأن النزوح لم يعد وسيلة للنجاة بل مجرد تأجيل للموت.

هذا الواقع يدفع كثيرين إلى التساؤل: إذا كانت الخيام المؤقتة تُقصف، فأين يمكن للمدني أن يذهب؟ المدارس والمستشفيات والملاجئ سبق أن طالتها الغارات، والآن حتى الفراغ المفتوح المغطى بقماش بات هدفا مشروعا للصواريخ.

ضربات متزامنة في قلب المدينة

في الوقت ذاته، لم تكن مدينة غزة نفسها بمنأى عن القصف. غارتان على شقتين سكنيتين، في حيي الرمال والتفاح، أوقعتا أربعة شهداء بينهم طفلان وامرأة، إضافة إلى عدد من الجرحى. الشقق المستهدفة تقع في أحياء مدنية مكتظة، ما يعني أن أي صاروخ لا يقتل من بداخله فقط، بل يهدد الأبنية المحيطة وسكانها.

هذا التزامن بين قصف الخيام في الجنوب والشقق في الشمال يعكس اتساع رقعة الاستهداف لتشمل كل أنماط السكن: المؤقت والدائم، الشعبي والحديث، الأطراف والوسط. الرسالة الضمنية للسكان أن البقاء في المنزل خطر، والنزوح إلى الخيمة خطر، ولا فارق جوهريا بينهما.

كما شن الطيران غارات إضافية على شارع الجلاء في شمال غرب المدينة، وأخرى شرق مخيم البريج وسط القطاع، حتى من دون إعلان فوري عن إصابات. لكن مجرد تكرار الضربات في مناطق متعددة وفي وقت متقارب يبقي حالة الذعر مستمرة، ويمنع أي إحساس بالهدوء أو التعافي.

منطق العقاب الجماعي

حين تُضرب خيمة نازحين وتُباد عائلة بأكملها، يصعب تفسير ذلك بمنطق “الخطأ” أو “الأضرار الجانبية”. النتيجة الفعلية هي عقاب جماعي للسكان المدنيين، حيث يدفع الجميع الثمن بصرف النظر عن أعمارهم أو أدوارهم.

الأطفال الذين سقطوا في الشقق السكنية، والأحفاد الذين احترقوا في الخيمة، يمثلون جيلا يُقتل قبل أن تتشكل ملامحه. وهذا يضيف بعدا أخلاقيا خطيرا للصراع، إذ يتحول الاستهداف إلى تدمير ممنهج للمستقبل، لا للحاضر فقط.

كذلك فإن قتل كبار السن داخل خيام النزوح يكشف هشاشة أي خطاب يتحدث عن “مناطق آمنة”. فالخيمة التي تؤوي مسنا عاجزا وأحفاده الصغار لا يمكن اعتبارها تهديدا عسكريا بأي معيار منطقي، ومع ذلك تُقصف وتُسوى بالأرض.

آثار تتجاوز لحظة القصف

لا تنتهي المأساة عند عدد الشهداء. فكل غارة من هذا النوع تخلّف عشرات المكلومين: أقارب فقدوا عائلة كاملة، ناجون خرجوا مصابين بحروق أو إعاقات دائمة، وأطفال شهدوا احتراق أقاربهم أمام أعينهم.

كما تتفاقم أزمة النزوح، إذ يضطر من نجوا من الخيام المحترقة إلى البحث عن مكان جديد، غالبا أكثر ازدحاما وأقل قدرة على الاستيعاب. وهكذا تتراكم الكارثة الإنسانية طبقة فوق طبقة: قصف، نزوح، قصف جديد، ثم نزوح جديد.

في ظل هذا الواقع، تتحول الحياة اليومية إلى انتظار دائم للضربة التالية. لا وقت للحِداد الحقيقي، ولا مساحة لإعادة البناء، بل سلسلة متواصلة من الفقدان.

صورة مكثفة لإجرام الحرب

ما جرى في هذه الساعات القليلة يلخّص طبيعة الحرب على القطاع: استهداف مكثف للمدنيين حيثما كانوا، ومحو عائلات كاملة في لحظات، وتوسيع دائرة الموت من الخيمة إلى الشقة ومن الجنوب إلى الشمال.

أحد عشر شهيدا في فجر واحد، معظمهم من عائلة واحدة، ليسوا مجرد رقم جديد، بل دليل صارخ على أن المدنيين باتوا في قلب دائرة الاستهداف. ومع كل غارة مشابهة، تتكرس صورة حرب لا تكتفي بقتل الأفراد، بل تضرب النسيج العائلي والاجتماعي في الصميم، وتحوّل الخيام التي يفترض أن ترمز للنجاة إلى شواهد قبور مفتوحة على السماء.

اقرأ أيضًا : اليمن: إعلان محتمل لحكومة شائع الزنداني مطلع الأسبوع المقبل