في مشهد تتقاطع فيه مآسي الحرب مع تفاصيل الحياة اليومية، يعيش قطاع غزة منذ أكثر من 18 شهراً تحت وطأة حرب إبادة ممنهجة.

صوت الانفجارات امتزج برائحة الدماء، وصار الحزن رفيق الأمسيات والنهارات على السواء. وبينما يحاول أهل القطاع انتزاع لحظات بسيطة من الأمل وسط الجحيم، تباغتهم آلة القتل الإسرائيلية لتحول حتى أبسط محاولاتهم للنجاة إلى مآتم جماعية.

مقهى بلا كهرباء.. وكرسي مهترئ

وسط مخيم النصيرات، الذي يفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية بفعل الحصار والتجويع والقصف المتواصل، تجمع عدد من شباب المخيم في كافيتيريا شعبية بسيطة. كراسي مهترئة، طاولات بالكاد تقف، وأكواب شاي بالكاد تجد ما يحليها من السكر المفقود.

جلسوا يتسامرون، يحاولون أن يرمموا ما تبقى من أرواحهم المنهكة ببعض الضحك وأحاديث الأمل الخجول.

لكن غزة، التي لم تُمهل أهلها حتى لالتقاط أنفاسهم، سرعان ما أفجعتهم من جديد. لم تدم السهرة طويلا؛ فبينما كانت قلوبهم متعلقة ببصيص أمل صغير، باغتتهم طائرات الاحتلال الإسرائيلي بصواريخ دقيقة، مزقت أجسادهم، ومزقت معها آخر ما تبقى من لحظات الدفء. 

جلسوا ليستريحوا قليلاً من عناء حربهم اليومية، فإذا بالموت ينقض عليهم دون رحمة أو إنذار.

صواريخ الموت بدل ضحكات الأمل

المجزرة في النصيرات لم تكن مجرد “حادث عارض” أو “خطأ تقديري” كما يدعي الاحتلال دائماً. بل كانت عملية اغتيال متعمدة لشباب أعزلين، اختاروا أن يسرقوا من الحرب برهة حياة.

جلستهم البسيطة تحولت إلى أنهار دماء، وطاولاتهم صارت شاهدة على مجزرة ارتكبت بدم بارد، بينما يغط العالم المتحضر في صمت معيب.

الاحتلال الذي طالما تغنى بتقدمه التكنولوجي والعسكري استخدم أحدث أسلحته ضد مقهى فقير في مخيم محاصر. 

شهود العيان تحدثوا عن نوع غريب من الصواريخ، دقيق في إصابته، قُتل فيه الشباب وهم جالسون على مقاعدهم، معظمهم تلقى إصابات مباشرة في الرأس والرقبة، وكأن آلة القتل كانت ترفض أن تترك فرصة للنجاة لأحد منهم.

الإبادة بسبق الإصرار.. لا خطأ ولا مصادفة

ما حدث في النصيرات يؤكد أن حرب الاحتلال لم تعد مجرد استهداف للمقاومين أو ضربات “جانبية” كما يحاول الإعلام الموالي ترويجها. إنها حرب مفتوحة ضد الحياة الفلسطينية بكل تفاصيلها. أطفال، شباب، شيوخ، تجمعهم صفة واحدة: أنهم ولدوا في غزة.

لأول مرة منذ عقود، تتبنى آلة الحرب الإسرائيلية سياسة قتل الأطفال واليافعين بشكل ممنهج. لا خطأ في الإحداثيات، ولا وجود لمواقع عسكرية في مقهى شعبي، ولا حتى ذرائع كالتي كان الاحتلال يلجأ إليها سابقاً. فقط قرار واحد: لا يجب أن يبقى في غزة من يستطيع أن يحلم أو يضحك أو يتنفس بحرية.

يوم استهداف المقهى شهد أيضاً تصعيداً همجياً غير مسبوق، حيث سجلت عشرات المجازر بحق أطفال وعائلات كاملة، من الشمال إلى الجنوب، كان آخرها مجزرة عائلة كوارع شرق خان يونس. مذبحة النصيرات ليست استثناءً، بل جزء من خطة مبرمجة لاقتلاع جذور الحياة من القطاع المحاصر.

تكنولوجيا الموت.. وإعجاب مريض

لا يكفي أن يُقتل شباب غزة، بل ثمة من يصر في العالم العربي الرسمي على تمجيد “تطور إسرائيل التكنولوجي”، متغاضين عن حقيقة أن هذه التكنولوجيا تُستخدم لتصنيع صواريخ ذكية تفتك بالأجساد الغضة وتدمر أي شكل من أشكال الحياة المدنية.

القصف الأخير، بصواريخه الدقيقة الموجهة لرؤوس الشباب، يُظهر كيف أن الاحتلال يوظف أقصى تطوراته العسكرية في معركة غير متكافئة ضد شعب أعزل. إنها تكنولوجيا وظفت لخدمة القتل والإبادة، لا لإرساء الأمن أو إحلال السلام كما يدعي ساسة الاحتلال.

غزة.. بين خيانة الطغاة وصمت العالم

مجزرة كافتيريا النصيرات لا تلخص فقط مأساة ليلة واحدة، بل تكشف حجم الخذلان الدولي والعربي لغزة. العالم الذي يرفع رايات الحرية وحقوق الإنسان يكتفي بإحصاء القتلى، بينما تُغتال الأرواح، وتُهدم الأحلام، ويُرتكب التطهير العرقي على الهواء مباشرة.

فيما الأنظمة العربية المطبعة تتسابق للتهليل لتقدم إسرائيل، تواصل غزة نزيفها وحصارها وحدادها المفتوح. تغسل دماء أبنائها بشموع الذكرى، وتقف بثبات على رماد مقاهيها وجثامين شهدائها، مرددةً للعالم أجمع أن صمتكم جريمة، وتخاذلكم خيانة، وأن غزة رغم أنف الموت، ستظل تنبض بالحياة والمقاومة.

اقرأ أيضًا : كمائن التفاح والشجاعية.. براعة المقاومة تُوقع الاحتلال في فخاخ قاتلة