لم تعد مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور مجرد نقطة جغرافية محاصرة، بل تحولت إلى رمز لمعاناة إنسانية مركبة، يدفع الأطفال ثمنها الأكبر بعد أكثر من 500 يوم من حصار خانق تفرضه قوات “الدعم السريع” بدعم خفي ومشبوه من قوى إقليمية، وعلى رأسها الإمارات التي باتت متهمة بلعب دور خبيث في تمويل وتسليح هذه المليشيا.

وفي ظل هذا الواقع، تتكشف يومًا بعد يوم ملامح مأساة إنسانية تُصنف كواحدة من أسوأ الكوارث المعاصرة بحق المدنيين.

 

أطفال محاصرون وسط الجوع والأمراض

بحسب تقرير جديد لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، فإن ما لا يقل عن 600 ألف شخص نزحوا من الفاشر والمخيمات المحيطة بها، نصفهم من الأطفال. ورغم هذا النزوح القاسي، ما يزال أكثر من 260 ألف مدني – بينهم 130 ألف طفل – محاصرين داخل المدينة بلا غذاء ولا دواء منذ أكثر من 16 شهرًا. وتؤكد المديرة التنفيذية لليونيسف كاثرين راسل أن حياة الأطفال “على المحك”، محذّرة من مأساة كارثية مع منع خدمات التغذية المنقذة للحياة من الوصول إليهم.

الأرقام التي نشرتها المنظمة صادمة: أكثر من 1100 انتهاك جسيم تم توثيقه منذ بدء الحصار، بينها مقتل وتشويه أكثر من 1000 طفل. فيما تزداد حالات التجنيد القسري للأطفال من قِبل المليشيات، ما يجعل مستقبل جيل كامل على حافة الهاوية. حتى مخيمات النزوح مثل “أبو شوك” لم تسلم من القصف، حيث قُتل سبعة أطفال الأسبوع الماضي في هجوم مباشر.

انهيار صحي وتفشي الأوبئة

الأزمة في الفاشر لا تتوقف عند حدود الجوع، بل تمتد إلى انهيار المنظومة الصحية تحت ضربات الحرب. فقد تعرضت 35 منشأة صحية للقصف المباشر، بينها مستشفى الفاشر التعليمي السعودي للأمومة الذي قُصف أكثر من عشر مرات، ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات، بمن فيهم أطفال ونساء. كما دُمّر المركز الصحي العلاجي في مخيم أبو شوك، ليُحرم آلاف الأطفال من العلاج.

وتكشف تقارير أممية أن أكثر من 6000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، في ظل غياب الغذاء العلاجي. وفي مناطق نزوح أخرى مثل مليط، بلغت معدلات سوء التغذية مستويات قياسية وصلت إلى 34.2%، وهي أرقام غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث.

إلى جانب ذلك، يتفشى وباء الكوليرا على نطاق واسع، حيث سُجلت 96 ألف حالة اشتباه و2400 وفاة، بينها 5000 حالة و98 وفاة في دارفور وحدها. ومع تدهور البنية التحتية وانعدام المياه النقية، أصبح الأطفال أكثر عرضة للأمراض القاتلة مثل الملاريا، التهابات الجهاز التنفسي، الإسهال الحاد، والحصبة.

الإمارات.. ممول الظل وراء المأساة

في قلب هذه المأساة، تبرز أصابع الاتهام إلى الدور الخفي الذي تلعبه دولة الإمارات في تغذية الحرب السودانية. تقارير حقوقية وصحفية أشارت إلى أن أبوظبي تمد قوات الدعم السريع بالسلاح والمال، عبر شبكات تهريب وواجهات تجارية في إفريقيا. الهدف المعلن للإمارات – كما تروّج له إعلاميًا – هو دعم الاستقرار، لكن الواقع يكشف عن أجندة توسعية، تسعى للسيطرة على الموارد السودانية، خصوصًا الذهب وموانئ البحر الأحمر، عبر أذرع مليشياوية تحكم قبضتها على المدنيين.

هذا الدور الخبيث يجعل الإمارات شريكًا مباشرًا في الجريمة الإنسانية التي يعيشها أطفال الفاشر. إذ لم يكن للدعم السريع أن يستمر في حصاره لأكثر من 500 يوم لولا وجود دعم خارجي يمده بالنفس الطويل، ويمنحه القدرة على فرض سياسات التجويع والقتل البطيء.

صمت دولي ومناشدات عاجلة

رغم فداحة الكارثة، ما يزال الموقف الدولي عاجزًا عن كسر الحصار. رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس ناشد مجلس الأمن استخدام سلطاته لإنهاء حصار الفاشر، لكنه لم يلقَ سوى بيانات تنديد شكلية. الأمم المتحدة نفسها أقرت بأن فجوة التمويل أجبرتها على وقف بعض عملياتها، وهو ما ضاعف حجم المأساة.

في المقابل، يواصل النظام السوداني مناشداته للعالم بضرورة “فك أسر” سكان الفاشر، مؤكداً أن أكثر من 1.15 مليون مواطن يعانون من آثار الحصار المباشر، بينهم 600 ألف نازح و250 ألف محاصر في ظروف مأساوية. لكن الاستجابة تبقى محدودة، وسط حسابات سياسية معقدة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية.

حصار يحوّل الأطفال إلى أهداف

المشهد في الفاشر اليوم يجسد أبشع صور الحرب: أطفال محاصرون بين الجوع والأوبئة والقصف، وأمهات عاجزات عن توفير كسرة خبز أو جرعة دواء، فيما تحوّل الحصار إلى أداة حرب ممنهجة تستهدف المدنيين العُزّل. ومع كل يوم يمر، يتضاعف عدد الضحايا، بينما يتسع نطاق الصمت الدولي الذي يغذي استمرار المأساة.

خاتمة.. مسؤولية مشتركة وجريمة لن تُنسى

إن ما يجري في الفاشر ليس مجرد مأساة محلية، بل جريمة كبرى بحق الإنسانية. فاستمرار الحصار، وتواطؤ قوى إقليمية كالإمارات، وصمت المجتمع الدولي، كلها عوامل تجعل من هذه المدينة نموذجًا للعقاب الجماعي الذي يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.

الأطفال الذين يُقتلون جوعًا ومرضًا وقصفًا لن تُمحى ذكراهم، وسيبقى حصار الفاشر وصمة عار على جبين كل من أسهم في تمويله، أو صمت أمام مشاهد المأساة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى سيظل العالم يتواطأ بالصمت، ويترك أطفال الفاشر فريسة لحصار الموت البطيء؟

اقرأ أيضًا : دلالات زيارة ابن زايد إلى مصر: حفاوة بروتوكولية أم رسالة إذعان؟