في خطوة تُنذر بتصعيد غير مسبوق في حرب الإبادة الجارية ضد قطاع غزة، صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر (الكابينت) بالإجماع على خطة عسكرية شاملة تقضي باحتلال مناطق واسعة في القطاع، ونقل السكان قسرياً من شماله إلى جنوبه، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول التهجير القسري والتطهير العرقي. 

هذه الخطة التي كشفت عنها القناة 12 العبرية تأتي في ظل صمت وتواطؤ عربي فاضح، يقوده نظام عبد الفتاح السيسي، الذي يواصل فرض الحصار على غزة، ويغلق المعابر في وجه من نجا من القصف، بينما يُفتح المجال خلف الكواليس أمام تفاهمات أمنية مع الاحتلال.

خطة الاحتلال.. من الاجتياح إلى الاستيطان العسكري

بحسب ما أوردته القناة 12، فإن الخطة التي وافق عليها الكابينت الإسرائيلي تمثل تحوّلاً جذرياً في النهج العسكري، حيث انتقل الاحتلال من سياسة “الاقتحام المؤقت” إلى “الاحتلال والبقاء” في المناطق المستهدفة. وأفاد التقرير أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي قدم الخطة بشكل مفصّل، مؤكداً أنها لا تهدف فقط إلى القضاء على ما تبقى من البنية التنظيمية للمقاومة الفلسطينية، بل تسعى لإحداث تغيير ديمغرافي فعلي في شمال غزة، عبر تهجير السكان ودفعهم قسراً نحو الجنوب.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أيد الخطة بشدة، واعتبرها “مرحلة ضرورية في معركة طويلة ضد ما وصفه بالإرهاب”. إلا أن الحقيقة الصارخة، والتي لا يمكن إخفاؤها، هي أن هذه الخطة تُعد نموذجاً حديثاً لتطبيق سياسات التهجير الجماعي التي تُجرّمها المواثيق الدولية، وتقع تحت بند جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

الحصار الغذائي.. أداة للموت البطيء

في محاولة لتبرير خطته العسكرية، زعم الكابينت أن قطاع غزة لا يزال يحتوي على “ما يكفي” من المواد الغذائية، في تناقض فجّ مع التحذيرات المتكررة التي أطلقتها منظمات دولية، أبرزها الأمم المتحدة و”أطباء بلا حدود” و”الصليب الأحمر”.

هذه المنظمات أكدت أن القطاع يواجه خطر المجاعة الجماعية نتيجة الحصار المشدّد، وتدمير منشآت التخزين وسلاسل الإمداد، ومنع قوافل الإغاثة من الدخول، خاصة عبر معبر رفح المغلق بأوامر سياسية من القاهرة.

في الواقع، تُستخدم سياسة التجويع كسلاح حربي مباشر. إنها ليست مجرد تداعيات جانبية للصراع، بل أداة ممنهجة للقضاء على ما تبقى من الحياة في غزة، وهو ما يفتح الباب أمام ملاحقات قانونية دولية يجب أن تطال كل من يشارك أو يتواطأ في فرض هذا الحصار القاتل.

التواطؤ العربي.. السيسي نموذجاً للخيانة الرسمية

أمام هذا التطور الخطير، يواصل النظام المصري، بقيادة عبد الفتاح السيسي، دوره كـ”بوّاب الحصار” المفروض على غزة. فقد تحوّل معبر رفح، الذي كان يوماً شريان الحياة لأهالي القطاع، إلى بوابة للابتزاز السياسي والمساومة الإقليمية، حيث يُفتح ويُغلق وفق التفاهمات الأمنية مع الاحتلال وتوجيهات أميركية–إسرائيلية.

في ظل هذه المجازر، تكتفي العواصم العربية بـ”بيانات القلق” التي لا تتجاوز حدود البروتوكول الإعلامي، بينما تغضّ الأنظمة الطرف عن عمليات التهجير القسري والقتل الجماعي. والأسوأ من ذلك أن بعضها يشارك بشكل غير مباشر في هذه الجرائم، سواء عبر تطبيعٍ معلن كما في الإمارات والبحرين، أو بتسهيلات استخباراتية خلف الكواليس كما هو الحال في مصر والأردن.

السيسي، الذي قدّم نفسه ذات مرة كوسيط للسلام، أثبت أنه جزء من آلية الحرب الصهيونية، يوفّر الغطاء اللوجستي، ويمنع عن غزة الغذاء والدواء، ويبتزّ الجرحى مقابل عبورهم للعلاج، في سابقة لم يعرف لها التاريخ الحديث مثيلاً.

ما بعد الاحتلال.. مخطط ما يسمى “الترحيل الناعم”

ما يجري اليوم ليس سوى تمهيد لمشروع ترحيل فلسطيني أكبر، وهو ما يعرف إسرائيلياً بـ”الترحيل الناعم”، أي دفع السكان الفلسطينيين بوسائل القهر نحو الخروج من غزة نهائياً باتجاه سيناء. ورغم نفي مصر العلني لهذا السيناريو، إلا أن سلوكها الفعلي من خلال إغلاق الحدود، والسكوت عن عمليات القتل الجماعي، يوحي بتواطؤ غير مباشر وربما مشاركة فعلية.

وقد عبّر نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون عن ارتياحهم إزاء التنسيق مع بعض الدول العربية، وخصوصاً مصر، التي لم تحرك ساكناً إزاء محاولات فرض مناطق “آمنة” على حدودها، تكون بمثابة سجون جماعية للفلسطينيين المهجرين.

جريمة كبرى تتجاوز حدود غزة

ما يفعله الاحتلال اليوم ليس مجرد “رد فعل عسكري”، بل خطة إبادة وتطهير عرقي مكتملة الأركان، جرى إعدادها بعناية، وتُنفذ بموافقة سياسية ودعم أميركي، وتواطؤ عربي مشين.

إن هذه الجريمة لا تخص غزة وحدها، بل تمثّل لحظة اختبار لكل حرّ في هذا العالم: هل نقف صامتين بينما يُهجر شعب بأكمله ويُحاصر حتى الموت، أم نرفع الصوت ونفضح كل المتورطين، من تل أبيب إلى أبو ظبي إلى القاهرة؟

العار على من صمت، والخزي لمن شارك، والمجد لغزة التي تقاتل وحدها بأمعاء خاوية وكرامة لا تنكسر.

اقرأ أيضًا : وقاحة إسرائيلية.. أول ظهور علني لعملاء “الموساد” منفذي “عملية البيجر” في لبنان