في مشهد يختلط فيه المحلي بالإقليمي، والميداني بالسياسي، شهد إقليم كردستان هذا الأسبوع سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة مفخخة استهدفت منشآت نفطية حيوية، أدّت إلى تقليص إنتاج النفط لأقل من النصف، في تطور وصفه مراقبون بأنه “تحوّل نوعي” في طبيعة التهديدات التي تواجه أمن الطاقة في العراق.

 المسيّرات تضرب… ولا أحد يرد

الهجمات التي وُصفت بـ”غير المسبوقة” طالت حتى الآن حقولًا رئيسية، أبرزها طاوكي وبيشخابور وعين سفني وسرسنك وشيخان، مما أدى إلى تعطيل منشآت حيوية، وإغلاق بعضها احترازيًا، في ظل غياب أي إعلان رسمي عن الجهة المسؤولة، ووسط صمت حكومي لافت من بغداد وأربيل على حد سواء.

ورغم أن الضربات نُسبت – ضمنيًا – إلى جماعات مسلحة عراقية موالية لإيران، وفق مصادر أمنية، إلا أن الغموض المحيط بجهة التنفيذ يترك باب التكهنات مفتوحًا أمام احتمالات أكثر تعقيدًا، لاسيما في ظل تزامن التصعيد مع اشتعال جبهات إقليمية متصلة بالحرب على غزة.

 كردستان تحت الضغط: لماذا الآن؟ ولماذا النفط؟

الهجمات على الحقول النفطية في كردستان تحمل في توقيتها وطبيعتها رسائل متعددة:

  • رسالة إلى واشنطن: مفادها أن المصالح الحيوية الأمريكية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أصبحت في مرمى النيران في أكثر من ساحة – من البحر الأحمر إلى شمال العراق.

  • رسالة إلى أربيل: بأن التفاهمات الأمنية والاقتصادية مع الغرب لا تعني الحصانة، وأن استقلالية الإقليم في ملف الطاقة تجعله هدفًا قابلًا للضغط.

  • رسالة إلى بغداد: بأن التغاضي عن سياسات محور المقاومة، لا يعني النجاة من تداعيات الصراع الإقليمي المتصاعد، خاصة إذا فُسرت مواقف الحكومة على أنها محاباة أمريكية.

وتأتي هذه الرسائل في وقت بالغ الحساسية، إذ تُعد كردستان شريانًا حيويًا لصادرات العراق النفطية غير الخاضعة تمامًا لسلطة بغداد، وهو ما يجعل منشآته هدفًا ثمينًا لردع مزدوج: سياسي واقتصادي.

 الضرر يتجاوز الاقتصاد: اختبار صبر الشركات الأجنبية

وفق تقارير رسمية، فقد تسببت الهجمات بتقليص الإنتاج الكردي بنحو 150 ألف برميل يوميًا من أصل 280 ألفًا، وهو ما يعني شللًا فعليًا في قدرات التصدير، وتهديدًا صريحًا لجاذبية الاستثمار في قطاع الطاقة شمال العراق.

وفي حال استمرار الغارات، فإن شركات مثل DNO النرويجية وHunt Oil الأمريكية قد تُعيد النظر في جدوى استمرار عملياتها، ما يعزز مخاوف من نزوح استثماري طويل الأمد، ويُضيف تعقيدًا جديدًا إلى العلاقات المتوترة أصلًا بين بغداد وأربيل حول ملف النفط والميزانية.

 الصراع يمتد: من غزة إلى زاخو

لا يمكن عزل هجمات كردستان عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تستعر حرب غزة منذ أكتوبر 2023، وقد تسببت في تفجير سلسلة تحركات متزامنة من قبل فصائل محسوبة على “محور المقاومة”، بدءًا من هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، وصولًا إلى ضرب القواعد الأمريكية في العراق وسوريا.

الهجمات الأخيرة، من حيث طبيعتها وتوقيتها، تشير إلى اتساع استراتيجية “الرد غير المباشر” التي تتبناها أطراف حليفة لإيران، وتهدف إلى إرباك المعسكر الأمريكي – الإسرائيلي عبر استهداف البنى التحتية الاقتصادية، لا سيما في بيئات هشة أمنيًا، ككردستان.

بداية موجة جديدة من التصعيد؟

إذا كانت الهجمات على المنشآت النفطية تُعد حتى الآن “منخفضة الكلفة” عسكريًا، فإنها “عالية التأثير” سياسيًا واقتصاديًا، خاصة في ظل غياب الرد الرسمي، وهو ما قد يُغري الجهات المنفذة بتكرار السيناريو، وربما توسيع دائرة الاستهداف لتشمل خطوط أنابيب، أو موانئ تصدير، أو شركات أجنبية بعينها.

وكلما طالت فترة الغموض والجمود، زادت احتمالية تحول كردستان إلى نقطة اشتعال دائمة في صراع تتقاطع فيه الجغرافيا مع الجيوسياسة والطاقة.

أمن الطاقة في مرمى الصواريخ

الهجمات “المجهولة” على منشآت النفط في إقليم كردستان لم تعد مجرد حدث أمني معزول، بل مؤشر خطير على تحوّل أمن الطاقة في العراق إلى ورقة في لعبة التصعيد الإقليمي. وبين استهداف مقصود، وصمت رسمي، وغموض في تحديد الجهة المنفذة، يبقى السؤال الأهم:

هل تنجح بغداد وأربيل في حماية شريان نفط العراق الشمالي؟ أم أن كردستان ستكون ساحة جديدة لصراع مفتوح بين وكلاء القوة في الشرق الأوسط؟

اقرأ أيضا: ترامب يهاجم “بريكس” ويُصعّد تجاريًا: رسوم جمركية تطال الجزائر والعراق وليبيا والبرازيل