بقلم: سعيد الصاوي

كشف نقيب أطباء السودان في كندا سابقًا، والناطق باسم اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء، الدكتور سيد محمد عبد الله، عن انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في إقليم دارفور، وخصوصًا في مدينة الفاشر التي تعيش مأساة إنسانية خانقة منذ أكثر من 500 يوم من الحصار والقتال. وأكد عبد الله أن نحو 80% من المرافق الصحية خرجت كليًا عن الخدمة، نتيجة تدميرها أو احتلالها من قِبل أطراف الصراع، أو تحويلها إلى ثكنات عسكرية، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني.

وأوضح أن استهداف المستشفيات لم يكن نتيجة “نيران عشوائية”، بل عمليات ممنهجة لتحييد البنية التحتية الصحية، وتجريد المدنيين من حقهم في العلاج. فقد تحوّلت المستشفيات، بما فيها المستشفى السعودي للولادة، إلى أهداف مباشرة، وهو ما أسفر عن مقتل نحو 460 شخصًا بين كوادر طبية ومرضى ومرافقين. ويؤكد عبد الله أن ما حدث “جريمة حرب مكتملة الأركان”، وأن العالم يكتفي بالمشاهدة دون تحرك فعلي لحماية المدنيين.

الإمارات وشبكات الحرب الخفية
وبينما تتجه الأنظار إلى الداخل السوداني، تتواصل تقارير المنظمات الدولية والإعلامية التي تشير إلى أن دولة الإمارات تلعب دورًا خفيًا في تأجيج الصراع عبر دعم مليشيا الدعم السريع بالمال والسلاح، الأمر الذي فاقم من تدمير البنية التحتية لدارفور، وأطال أمد الحرب. فالإمارات – بحسب تقارير استقصائية – تدير شبكة نقل جوية عبر مطارات في الصومال وليبيا، لنقل الذخائر والمعدات إلى ميليشيا حميدتي، في واحدة من أكثر العمليات المخالفة للقانون الدولي خطورة، بينما يدفع المدنيون ثمن هذه الحروب بالدم والجوع والمرض.

ويرى مراقبون أن الدعم الإماراتي للدعم السريع لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى حملات تلميع إعلامي وتبرير سياسي في المحافل الدولية، في حين تتحمل الإمارات مسؤولية أخلاقية مباشرة عن الجرائم التي ترتكب في الفاشر ونيالا وبارا، حيث استخدمت المليشيات المدعومة منها الأسلحة الثقيلة ضد المستشفيات والملاجئ المدنية.

موت الكوادر الطبية وانهيار الخدمات
أشار عبد الله إلى أن الكوادر الصحية أصبحت هدفًا مباشرًا في هذه الحرب، إذ سقط ما لا يقل عن 98 من الأطباء والممرضين والصيادلة والطلاب، بين قتيل ومفقود، بسبب القصف أو الاغتيالات أو أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني. وأوضح أن “الأطباء يُستهدفون لأنهم الشهود الأوائل على الجرائم، وهم من يوثّقون الإصابات وطبيعة الأسلحة المستخدمة، ولذلك يتم التعامل معهم كأعداء من قبل بعض الأطراف المسلحة”.

وأضاف أن النظام الصحي انهار بالكامل، إذ لا توجد مستشفيات تعمل بشكل طبيعي، ولا تتوفر الكهرباء أو الأدوية الأساسية، فيما يعاني المرضى من أمراض مزمنة كالسكري والفشل الكلوي دون أي علاج. أما النساء الحوامل، فغالبيتهن يلدن في العراء أو في ظروف صحية معدومة، بعد أن تحوّلت المستشفيات إلى أنقاض.

دارفور بين الجوع والأوبئة
الوضع الإنساني، كما وصفه عبد الله، “كارثي بكل المقاييس”. فمع الحصار المفروض على الفاشر وبارا، لم تعد المساعدات الإنسانية قادرة على الدخول. نحو 42 شاحنة تابعة للأمم المتحدة، محمّلة بالغذاء والدواء، ما تزال عالقة خارج المدينة منذ أشهر بسبب رفض قوات الدعم السريع السماح بدخولها. وفي الوقت ذاته، ينتشر الجوع والأوبئة بصورة غير مسبوقة، إذ تفشت الكوليرا وحمى الضنك والملاريا وسوء التغذية الحاد بين الأطفال وكبار السن.

وأكد عبد الله أن “الناس باتوا يأكلون أوراق الأشجار وعلف الحيوانات”، مضيفًا أن حالات سوء التغذية أصبحت تهدد حياة آلاف الأطفال، فيما يموت آخرون بسبب أمراض يسهل علاجها في الظروف الطبيعية مثل الالتهابات الرئوية أو الإسهالات الحادة. وفي ظل غياب اللقاحات والمياه النظيفة، أصبحت الأوبئة تنتشر بسرعة مذهلة، ما يجعل أي مرض بسيط قاتلاً.

المنظمات عاجزة والمجتمع الدولي غائب
في الوقت الذي تتفاقم فيه الكارثة، لا تزال الاستجابة الدولية دون الحد الأدنى. فبحسب منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة، لم يُغط سوى 27% من الاحتياجات الإنسانية في السودان، وهي نسبة “مخجلة” مقارنة بحجم الكارثة. ويشير عبد الله إلى أن العجز الدولي لا يعود فقط لقلة التمويل، بل لتواطؤ بعض الدول التي تستفيد من استمرار الحرب، أو تخشى أن يؤدي وقفها إلى تغيّر موازين القوى الإقليمية.

ويضيف أن المنظمات العاملة تواجه بيئة عدائية: “خمسة من متطوعي الهلال الأحمر قُتلوا في بارا، فيما اختُطف آخرون في الفاشر وطُلبت فدية للإفراج عنهم”. ومع انقطاع الاتصالات وتدمير البنى التحتية، أصبح العمل الإنساني شبه مستحيل، كما تعذر توثيق الانتهاكات بصورة منهجية بسبب خطر الاعتقال أو القتل.

صرخة إنسانية من قلب المأساة
يختتم عبد الله بدعوة عاجلة للمجتمع الدولي لوقف الحرب وفتح الممرات الآمنة فورًا، قائلاً إن “وقف الحرب ليس مطلبًا سياسيًا بل ضرورة إنسانية لإنقاذ مئات الآلاف من الأرواح”. ويؤكد أن دارفور اليوم تعيش “كارثة متكاملة”، حيث يُقتل الأطباء والممرضون، ويُحاصر الجرحى، وتُترك النساء والأطفال للجوع والمرض، بينما تُغذّي أطراف إقليمية – في مقدمتها الإمارات – هذه النار التي تلتهم ما تبقّى من السودان.

ويخلص التقرير إلى أن الحرب في دارفور لم تعد صراعًا داخليًا فحسب، بل تحولت إلى مأساة إنسانية دولية، يتحمّل العالم مسؤولية إنهائها. فصمت المجتمع الدولي، وازدواجية مواقفه تجاه الجهات الداعمة للحرب، جعلا من المدنيين ضحية حرب قذرة تُدار من الخارج، حيث تتحول المساعدات إلى ورقة ضغط، وتُستخدم المأساة كسلاح تفاوض سياسي، بينما يموت الناس بصمت في ظلال عالم مشغول بالمصالح والنفط والسلاح.

اقرأ أيضًا : تحليل شبكي يكشف تمويلًا إماراتيًا لحملة تستغل أعياد الميلاد بألمانيا لتغذية الإسلاموفوبيا