في مشهد يُكرس عمق ارتهان القرار السيادي المصري للأجندة والمشاريع الإماراتية في المنطقة، حطّ الرئيس الإماراتي محمد بن زايد في العاصمة المصرية القاهرة، الاثنين، في زيارة عاجلة لم تٌحدد الرئاسة المصرية مدتها؛ وجاءت هذه الزيارة في توقيت إستراتيجي بالغ الحساسية عقب الإعلان التاريخي عن اكتمال اتفاق السلام والتهدئة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ ليعكس اللقاء محاولة إماراتية مستميتة لإعادة ترتيب أوراق تحالفاتها الإقليمية المأزومة، واستخدام النظام المصري كأداة تابعة لتنفيذ سياساتها التشويشية بعد سقوط مراهناتها العسكرية.

وعقب الإعلان الدولي عن “مذكرة إسلام آباد” التي قضت بوقف العمليات العسكرية على كافة الجبهات -بما فيها لبنان- ورفع الحصار البحري الفوري عن طهران وفتح مضيق هرمز، هرع بن زايد إلى القاهرة للإشراف المباشر على صياغة الموقف المصري؛ حيث أسفر اللقاء عن اتفاق الجانبين على ما سُمي “مواصلة التنسيق والتشاور”، وهو التعبير الدبلوماسي الذي يرى فيه مراقبون سياسيون غطاءً مفضوحاً لتلقي نظام السيسي التوجيهات من أبوظبي، في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي جعلت من القرار القاهري رهينةً للمساعدات والودائع الاستثمارية الإماراتية المشروطة.

خطابات مستهلكة وتجديد صكوك الطاعة لحماية حكام أبوظبي

وجاء في البيان الصادر عن الرئاسة المصرية خطاب تكراري مستهلك، حيث جدد عبد الفتاح السيسي موقف مصر الثابت في دعم استقرار وسيادة الإمارات، مسانداً كل الخطوات التي تتخذها قيادتها ومؤكداً أن “أمن الإمارات ودول الخليج يعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري”؛ في مفارقة عجيبة تعكس التناقض الصارخ؛ إذ بينما تورط بن زايد في تأجيج الصراعات الإقليمية من ليبيا إلى السودان واليمن لخدمة مصالحه الضيقة، يلتزم النظام المصري بتقديم الغطاء الأمني المجاني لعروش أبوظبي، متغافلاً عن التهديدات الحقيقية والمباشرة التي تمس الأمن القومي المصري في عمقه الإستراتيجي بجنوب الوادي وفي ملف مياه النيل.

وفي محاولة بائسة لركوب الموجة الإستراتيجية الجديدة والهروب من العزلة، اضطر الرئيسان لإعلان “ترحيبهما” بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن وقف الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز؛ وهو ترحيب يأتي على النقيض تماماً من التحركات السرية والعلنية التي قادها بن زايد طوال الأشهر الماضية لإشعال مواجهة مسلحة شاملة تُدمر المنطقة وتضمن له احتكار خطوط الملاحة والطاقة؛ إلا أن الإملاءات البراغماتية الأمريكية الجديدة فرضت على الحلف التابع الخضوع مرغماً ومحاولة التكيف مع تداعيات توقيع المعاهدة المرتقب في جنيف يوم الجمعة المقبل.

هيمنة المال الإماراتي وتلاشي الدور الريادي المصري

وتكشف هذه الزيارة والنتائج التوافقية المزعومة عن حجم التغلغل والاستحواذ الإماراتي الكامل على مفاصل الإدارة المصرية؛ فالدور الريادي التاريخي لمصر في قيادة العمل العربي المشترك قد تراجع لصالح تبعية مطلقة ونكوص خلف أجندة “بن زايد”، الذي ينظر إليه قطاع واسع من الشارع العربي كعراب لمشاريع التطبيع والتفتيح وبث الفوضى؛ وبدلاً من أن تقود القاهرة إستراتيجية عربية مستقلة ومبنية على التهدئة وحقن الدماء، باتت بياناتها الرسمية تُصاغ لخدمة أمن المصالح الاستعمارية الإماراتية، مما يضع السياسة الخارجية المصرية في أضعف حلقاتها التاريخية بعد أن تحولت من صانعة للحدث إلى جهة متلقية ومباركة لخطوات حكام أبوظبي.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال