في مشهد حزين ومؤثر، ودّعت المملكة العربية السعودية أحد أبرز وجوه التيار الديني في البلاد، الداعية الدكتور سعد البريك، عن عمر ناهز 63 عامًا، بعد مسيرة دعوية حافلة ارتبطت بمرحلة “الصحوة” الإسلامية التي طبعت المشهد الديني والسياسي في السعودية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

ومن المقرر أن يُشيّع جثمانه اليوم بعد صلاة الظهر في العاصمة الرياض، وسط حالة من الحزن في الأوساط الدعوية والشعبية التي رأت فيه أحد الأصوات الصريحة التي حاولت التمسك بثوابت الدين في وجه حملات الإقصاء والتهميش التي تعرض لها التيار الإسلامي لاحقًا.

منابر الصحوة.. ونفوذ تجاوز الجدران الرسمية

يُعد البريك من أشهر رموز ما يُعرف بـ”تيار الصحوة”، ذلك التيار الذي صعد في أعقاب الثورة الإيرانية، وتبلور مع دعم النظام السعودي وقتها للخطاب الإسلامي المحافظ كجدار صدّ ضد الشيوعية والأفكار الليبرالية. 

تميز خطاب البريك، الذي حاز على الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء، بالجمع بين الحماسة الدينية والرؤية الشرعية التي تعكس خلفيته الأكاديمية في الفقه المقارن.

وقد تقلّد الراحل عدة مناصب رسمية وشبه رسمية، أبرزها مستشار ونائب رئيس اللجنة العليا في مكتب الأمير عبد العزيز بن فهد، كما كان عضوًا في لجنة التربية العليا التي ترأسها الأمير سلطان بن عبد العزيز، وشارك في اللجنة الفرعية المنبثقة عنها برئاسة الشيخ عبد الله المطلق. 

كما شارك في “لجنة المناصحة” الخاصة بالموقوفين في قضايا الإرهاب، والتي كانت تهدف –وفقًا للتوجه الرسمي– إلى “تصحيح الأفكار المتطرفة”، وهو ما اعتبره مراقبون لاحقًا محاولة لاحتواء خطاب الصحوة لا توسيعه.

احتجاز قصير.. وغضب طويل من بن سلمان

رغم تاريخه الطويل في خدمة الدولة من داخل منظومتها الدعوية، لم ينجُ البريك من حملة القمع التي قادها ولي العهد محمد بن سلمان ضد دعاة الصحوة، والتي شهدت ذروتها في عام 2017. 

فقد اعتُقل الداعية البريك لفترة وجيزة على خلفية تغريدة طالب فيها بالإفراج عن الداعية عصام العويد، الذي كان قد أُدين لاحقًا في قضايا “تمويل الإرهاب” وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 27 عامًا.

ورغم أن احتجاز البريك لم يستمر طويلًا، إلا أنه حمل رسالة واضحة من النظام: لا حصانة لأحد. وقد اعتبر كثيرون أن تلك الحملة كانت تهدف لإخراس كل من يمكن أن يشكّل تهديدًا لخطاب “السعودية الجديدة”، الذي يسعى ابن سلمان لفرضه بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك الاعتقالات والاغتيال المعنوي والاجتماعي.

هجوم من الأسرة المالكة

من المحطات البارزة التي كشفت عن حجم التضييق على البريك، الهجوم الذي تعرّض له من الأمير الراحل ممدوح بن عبد العزيز –الأخ غير الشقيق للعاهل السعودي الملك سلمان– حين اتهمه صراحة بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين وبالتحريض على الثورات.

وهو الاتهام الذي رد عليه البريك نافيًا أية صلة له بالإخوان، مؤكدًا تمسكه بالمنهج السلفي التقليدي الذي وُلد وتربّى في ظله.

لكن هذه الاتهامات –التي تصدر من داخل الأسرة الحاكمة– تعكس حجم المأزق الذي وجد فيه الدعاة المحسوبون على “الصحوة” أنفسهم خلال العقد الأخير، خاصة في ظل اعتبار محمد بن سلمان جماعة الإخوان مصدرًا رئيسيًا للتهديد الفكري والسياسي داخل المملكة، ومحاولة تقليص نفوذ أي تيار يرتبط بها أو يتقاطع مع أفكارها، ولو على مستوى الشكل والمظهر.

موت رجل.. أم نهاية مرحلة؟

برحيل سعد البريك، يطوي المشهد الدعوي في السعودية صفحة جديدة من حقبة امتدت لعقود، كانت فيها المنابر الدينية حاضرة بقوة في الحياة العامة، حتى جاء مشروع “رؤية 2030” الذي عمل على تفكيك هذا النفوذ بشكل منهجي.

لم يكن البريك ثوريًا أو داعيًا للتمرد على الدولة، بل لطالما اعتُبر من الأصوات “المعتدلة” التي تحاول التوفيق بين متطلبات الدولة وتعاليم الدين. إلا أن التغيرات الجذرية في توجهات القيادة السعودية الحالية جعلت حتى الاعتدال خطرًا، إذا لم يكن على مقاس السلطة.

وبينما تُشيّع جنازته في الرياض، لا تُذكر سيرة البريك كاسمٍ فردي فقط، بل كرمز لمرحلة، وشاهد على تحوّل السعودية من دولة دينية ذات طابع محافظ إلى سلطة استبدادية ذات نزعة “انفتاحية” على حساب الهوية والمجتمع.

تغريدات النعي.. وسؤال الغياب

رثى عدد من الدعاة البريك بكلمات حزينة، مشيرين إلى سعة علمه وتواضعه ومحبته للخير. لكن غياب أصوات رسمية وازنة عن التعليق على وفاته أثار علامات استفهام عن مدى التهميش الذي لحق بهذا التيار حتى في مماته.

وفي وقتٍ بات فيه المجال العام شبه مغلق أمام الدعاة، تُطرح الأسئلة عن مصير رفاقه من أبناء “الصحوة”، بين من قضى نحبه، ومن يقبع خلف القضبان، ومن اختار الصمت أو الهجرة. 

ويبقى السؤال الأكبر: هل سيسمح النظام السعودي في يوم ما بعودة التعددية الدينية والفكرية؟ أم أن أمثال البريك سيكونون مجرد ذكريات من زمنٍ مضى؟

اقرأ أيضًا : الرياض وأبو ظبي وراء تمزق اليمن.. إقالة مرتقبة لرئيس الحكومة