منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت عواصم ومدن عالمية موجة احتجاجات غير مسبوقة تضامناً مع الشعب الفلسطيني، حيث توثق بيانات المركز الأوروبي الفلسطيني للإعلام (إيبال) أكثر من 35 ألف مظاهرة وفعالية في مئات المدن بـ20 دولة أوروبية خلال أقل من عامين.

وفي الأسبوع الأخير فقط، امتد الزخم من سيدني الأسترالية إلى مدن غربية لم يسبق أن شهدت احتجاجات مماثلة، حيث تدفقت آلاف الحشود رافعة الأعلام الفلسطينية ومطالبة بوقف الحرب ورفع الحصار عن غزة.

لكن هذه اللوحة المفعمة بالنشاط الجماهيري في الغرب تقابلها ملامح غياب أو خفوت الحراك الشعبي في العديد من العواصم العربية، وهو ما يثير تساؤلات حادة حول الأسباب الكامنة وراء هذا التفاوت، خاصة في ظل استمرار الحرب لما يقارب 23 شهراً وتفاقم المأساة الإنسانية داخل القطاع.

قيود سياسية وأمنية تغلق الشوارع أمام الجماهير

يُرجع خبراء ومراقبون هذا الغياب إلى منظومة من القيود السياسية والأمنية التي تفرضها حكومات عربية على أي حراك جماهيري، خشية تحوله إلى منصة أوسع للاعتراض على سياسات النظام أو إثارة موجات احتجاج أوسع.

الأمين العام للقوى الشعبية لمقاومة التطبيع في السودان عثمان البشير الكباشي يرى أن المسألة ليست تقاعساً شعبياً، بل انعكاس لحالة انسداد الأفق السياسي في ظل أنظمة تتواطأ – بصمت أو علناً – مع الحرب على غزة. ويؤكد أن المواطن العربي بات مقتنعاً بأن الشعارات وحدها لا تردع “عدواً لا يعرف إلا منطق القوة”، ما دفع كثيرين إلى البحث عن أشكال دعم بديلة، مثل المقاطعة الاقتصادية أو التضامن عبر المساجد والكنائس والمراكز الثقافية.

ومع ذلك، يشدد الكباشي على أن المظاهرات، رغم رمزيتها، تمتلك قيمة سياسية وأخلاقية، ويمكن أن تتحول إلى أداة ضغط حقيقية متى ما ترافقت مع تحركات منظمة ضمن تحالف شعبي عالمي لمواجهة الجرائم الإسرائيلية.

صمت الأنظمة وتصفية أشكال التضامن

القيادي في الحركة الإسلامية الأردنية بادي رفايعة يذهب أبعد في تفسير الظاهرة، محمّلاً الأنظمة العربية مسؤولية الغياب، ومعتبراً أن الأمر جزء من “ترتيب إقليمي” لتمرير مشروع صهيوني طويل الأمد دون ضجيج شعبي. ويشير إلى أن كثيراً من الحكومات العربية إما شريكة في المشروع أو متغاضية عنه، وتنتظر لحظة تصفية المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس.

ويكشف رفايعة عن أن بعض الدول لم تكتفِ بالحياد السلبي، بل أقدمت على وقف الأنشطة التضامنية، مثل منع جمع التبرعات والمساعدات الشعبية، تحت ذرائع اقتصادية أو أمنية، في خطوة يرى فيها مراقبون محاولة لإغلاق كل منافذ التعبير الجماهيري حتى لو كانت إنسانية الطابع.

التطبيع وتآكل ردود الفعل

أما مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، فيلفت إلى أن ما يجري في غزة “يستحق التظاهر وأكثر”، لكنه يلاحظ أن هناك تطبيعاً تدريجياً مع المأساة، إذ يكرر الاحتلال سياسة الإطالة الزمنية للنزاعات حتى تتراجع حدة ردود الفعل. وفي المقابل، تظل الساحات الغربية أكثر قدرة على الحشد بفضل بيئات سياسية وحزبية تسمح بحرية التعبير وتنظم الفعاليات، بينما تعاني المنطقة العربية من “تصحر سياسي” وغياب قوى منظمة أو نقابات مستقلة يمكنها قيادة الشارع.

ويرى عبد الغني أن استمرار المظاهرات والتغطية الإعلامية لجرائم الاحتلال ضرورة استراتيجية، إذ يمنع تراجع القضية عن الأجندة الدولية ويحافظ على الضغط على الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، مؤكداً أن التوقف أخطر من المضي في الاحتجاجات.

غياب الحراك العربي في ظل تصعيد خطير بغزة

يتزامن هذا الجمود العربي مع تصعيد ميداني واسع في غزة، حيث يمضي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطة توسع تدريجي للسيطرة على معظم القطاع. وبحسب إحصاءات وزارة الصحة في غزة حتى الأحد الماضي، أسفرت الحرب المستمرة عن استشهاد أكثر من 61 ألف فلسطيني وإصابة 153 ألفاً، فضلاً عن آلاف المفقودين العالقين تحت الركام أو في مناطق يصعب الوصول إليها.

ومع تفاقم الأزمة، جددت حركة حماس دعوتها إلى تصعيد الحراك الشعبي في كل العواصم، للضغط على الاحتلال ووقف سياسة التجويع، وكسر الحصار بكافة الوسائل، مطالبة بتحرك رسمي عربي وإسلامي يوظف كل المقدرات السياسية والاقتصادية للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل، وفتح جميع المعابر فوراً لإدخال المساعدات بكميات كافية وآمنة.

بين إرادة الشعوب وحسابات الأنظمة

تكشف المقارنة بين الشوارع الغربية المليئة بالشعارات الفلسطينية، والعواصم العربية الصامتة، عن فجوة عميقة بين إرادة الشعوب وحسابات الأنظمة. ففي حين ينجح الغرب – رغم انحياز حكوماته لإسرائيل – في توفير هامش واسع لحرية التعبير، تعيش المنطقة العربية في ظل أنظمة ترى في أي حشد شعبي تهديداً مباشراً لشرعيتها واستقرارها الداخلي.

هذا الغياب لا يعني بالضرورة موت التضامن العربي، لكنه يسلط الضوء على مأزق سياسي مزمن: غياب القنوات الآمنة للتعبير، وتراجع دور القوى الشعبية المنظمة، وانشغال الأنظمة بأولويات داخلية أو تحالفات إقليمية على حساب الموقف القومي من القضية الفلسطينية.

وبينما تتواصل المظاهرات في الغرب، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع الشارع العربي كسر طوق الصمت واستعادة دوره في لحظة مفصلية من تاريخ الصراع؟ أم أن المشهد سيبقى كما هو، لتصبح غزة شاهداً على عصر عربي يكتفي بالمشاهدة؟

اقرأ أيضًا : لماذا وصفت الصحف الغربية الخطة الإسرائيلية لتهجير سكان غزة بأنها “محاكاة للتطهير العرقي”؟