أثار تقرير نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية موجة من الجدل، بعدما كشف أن مستشارين من مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) أعدّوا نموذجًا تفصيليًا لتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من قطاع غزة إلى دول مثل الصومال وأرض الصومال ومصر والأردن والإمارات، في إطار مشروع يزعم التخطيط لـ”غزة ما بعد الحرب”.
النموذج، الذي وُصف بأنه معقّد واحتوى على تقديرات دقيقة، أشار إلى أن الدول المستقبِلة قد تجني مكاسب اقتصادية تصل إلى 4.7 مليارات دولار خلال السنوات الأربع الأولى من تنفيذ البرنامج، وهو ما أثار استنكارًا واسعًا باعتباره تسويقًا لمأساة إنسانية على أنها فرصة ربحية.

أسباب وصف الخطة بمحاكاة التطهير العرقي
توصيف الخطة بأنها “محاكاة للتطهير العرقي” لا يأتي من فراغ، بل يرتكز على عناصر أساسية:
- الإبعاد القسري للسكان:
الخطة لا تطرح خيارًا لعودة اللاجئين أو إعادة إعمار غزة، بل تركز على نقلهم بشكل دائم إلى دول أخرى، وهو ما يتطابق مع تعريف التطهير العرقي في القانون الدولي. - دمج الضغط العسكري مع التهجير:
تزامنت الخطة مع سياسة إسرائيلية ممنهجة لتدمير البنية التحتية في غزة، كما وثّق تحقيق مجلة 972+، الذي أظهر صورًا وفيديوهات لدمار واسع النطاق بفعل الغارات والجرافات الإسرائيلية، ما يجعل البقاء شبه مستحيل. - الطابع الربحي للخطة:
إدراج المكاسب الاقتصادية للدول المستقبلة حوّل عملية التهجير القسري إلى مشروع استثماري، متجاهلًا الحقوق والكرامة الإنسانية للفلسطينيين. - التوافق مع خطابات سياسية داعمة:
جاء الكشف عن النموذج بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في فبراير 2025، خطته مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، لنقل جزء كبير من سكان غزة إلى دول عربية، في إطار ما سمّياه “حل ما بعد الحرب”.
محاولة بوسطن الاستشارية التبرؤ
ورغم أن التقرير ربط الخطة بـBCG، حاولت الشركة التنصل من الفضيحة، معلنة أنها طردت الشركاء المتورطين وأوقفت مشاركتها في المشروع منذ مايو الماضي، مدعية أن العمل تم “سرًا” ومن دون موافقة الإدارة.
لكن هذه التبريرات لم تمنع ارتدادات القضية، إذ أعلنت منظمة “إنقاذ الطفولة” تعليق شراكتها مع الشركة، ووصفـت رئيستها التنفيذية، إنغر آشينغ، سلوك BCG بأنه “غير إنساني” و”ينتهك الحقوق والكرامة”، منددةً بحساب تكلفة تهجير الفرد ومقارنتها بكلفة إعادة الإعمار.
“مؤسسة غزة الإنسانية”.. فخ باسم الإغاثة
الخطة ارتبطت بمشروع أوسع، هو تأسيس “مؤسسة غزة الإنسانية” المرتبطة بأمريكا وإسرائيل، والتي طالبت أكثر من 170 منظمة إغاثة دولية بإغلاقها، معتبرة أنها فخ إنساني يعرض المدنيين الفلسطينيين الجوعى لمخاطر الإصابة أو القتل برصاص جيش الاحتلال عند محاولة الحصول على المساعدات.
التدمير كأداة سياسية
تحقيق 972+ وثّق أن تدمير الأحياء والمرافق في غزة لم يكن عرضيًا، بل جزءًا من استراتيجية “الأرض المحروقة” التي تحرم الفلسطينيين من أي مقومات للحياة، لتجعل خيار الرحيل هو المخرج الوحيد أمامهم.
رفض عربي ودولي واسع
- دول عربية: مصر والأردن رفضتا رسميًا استقبال اللاجئين ضمن أي خطة تهجير، وأكدتا أن الحل يتمثل في إنهاء الاحتلال وإعادة الإعمار.
- منظمات حقوقية: وصفت الخطة بأنها جريمة بموجب القانون الدولي وانتهاك صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة.
- الأمم المتحدة: حذرت من أن أي نقل قسري للسكان يمثل خرقًا لحقوق الإنسان.
خلاصة تحليلية
وصف الخطة بأنها “محاكاة للتطهير العرقي” يعكس طبيعتها المركّبة، حيث تلتقي فيها أهداف عسكرية مع ضغوط اقتصادية وسياسية، لتشكّل هندسة استراتيجية لإفراغ غزة من سكانها تحت غطاء “إعادة التوطين” وتحقيق مكاسب اقتصادية للدول المستقبلة.
إن دمج التدمير الممنهج مع تسويق التهجير كفرصة استثمارية، ووجود دعم سياسي من قوى دولية، يجعل من الصعب فصل هذه الخطة عن نماذج التطهير العرقي التي عرفها التاريخ المعاصر، وهو ما يفسر شدة الإدانات التي لحقت بها فور الكشف عنها.
اقرأ أيضًا : تحت شعار “كن شعلة أمل لغزة”.. حراك شعبي واسع من إسطنبول إلى تونس رفضًا للإبادة والحصار