في لحظة كاشفة تعكس عمق الأزمة التي تعيشها دولة الاحتلال على المستويات السياسية والأخلاقية والدولية، أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بأن “العالم لم يحب إسرائيل منذ ثلاثة آلاف عام”، معترفًا بفشل محاولات كسب التعاطف الدولي، ومعلنًا صراحة التحول نحو سياسة تقوم على التخويف والردع بدل القبول والشرعية.

جاءت تصريحات بينيت خلال كلمة ألقاها أمام مؤتمر يضم قيادات يهودية أمريكية، حيث قدّم قراءة صريحة، وإن كانت منحازة، لمكانة إسرائيل المتدهورة عالميًا، في ظل حرب الإبادة المستمرة على غزة، والانقسامات الداخلية، وتصاعد الانتقادات الدولية لسلوك الاحتلال.

خطاب الاعتراف بالفشل: من طلب المحبة إلى فرض الهيمنة

قال بينيت بوضوح إن إسرائيل “جرّبت أن يحبها العالم لمدة ثلاثة آلاف عام ولم تنجح”، معتبرًا أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على جعل “الأعداء يخافون، والأصدقاء يحترمون، والجميع يحتاجون”.

هذا الطرح لا يعكس مجرد رأي شخصي، بل يلخص تحولًا عميقًا في العقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية، يقوم على استبدال “القوة الناعمة” بالقوة الصلبة، والتخلي عن محاولة تحسين الصورة الدولية، لصالح منطق الردع والقسر.

ويكشف هذا الخطاب أن النخب الإسرائيلية باتت تدرك أن الجرائم المتراكمة، من الاحتلال والاستيطان إلى الحصار والحروب المتكررة، جعلت من إسرائيل دولة منبوذة أخلاقيًا في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، ما أفشل كل حملات “تلميع الصورة” التي أُنفقت عليها مليارات الدولارات.

إسرائيل كدولة منبوذة: سقوط السردية الأخلاقية

لم تعد إسرائيل، في السنوات الأخيرة، قادرة على تسويق نفسها كـ”ديمقراطية وحيدة في الشرق الأوسط”، أو “دولة تدافع عن نفسها”، كما كانت تفعل سابقًا. فمشاهد الدمار في غزة، واستهداف المدنيين، والمجازر الموثقة، دمّرت هذه السردية بشكل شبه كامل.

تنامت حملات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية، وتصاعدت الدعوات لمحاسبة الاحتلال في المحاكم الدولية، وتزايدت الانتقادات داخل البرلمانات الغربية نفسها. وأصبحت إسرائيل تواجه لأول مرة خطر العزلة الاستراتيجية، لا مجرد الانتقاد الإعلامي.

تصريحات بينيت تمثل اعترافًا ضمنيًا بأن “شرعية الاحتلال” لم تعد مقنعة، وأن المشروع الصهيوني بات يعتمد أكثر فأكثر على القوة العسكرية والدعم السياسي الأمريكي بدل القبول الشعبي العالمي.

هجوم على الحكومة: صراع السلطة بعد السابع من أكتوبر

في سياق متصل، شنّ بينيت هجومًا حادًا على الحكومة الحالية، متهمًا إياها بتقسيم المجتمع الإسرائيلي، وتحميلها مسؤولية “أعظم كارثة في تاريخ إسرائيل”، في إشارة إلى هجوم السابع من أكتوبر 2023.

وأكد أنه لن يسمح باستمرار قيادة “فاشلة”، معلنًا نيته العودة للمشهد السياسي وقيادة إسرائيل في المرحلة المقبلة، في محاولة واضحة لاستثمار حالة الغضب الشعبي المتزايد.

ويأتي هذا الهجوم في ظل استمرار رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو في رفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية، خشية تحميله مسؤولية الإخفاقات الأمنية والاستخباراتية.

في المقابل، اعترف العديد من القادة العسكريين والأمنيين بمسؤوليتهم الشخصية، بينما يواصل نتنياهو إلقاء اللوم على الجيش والأجهزة الأمنية، في محاولة للهروب من المحاسبة السياسية والقانونية.

حرب غزة وتكريس صورة “الدولة المارقة”

منذ الثامن من أكتوبر 2023، وبدعم أمريكي مباشر، شنت إسرائيل حرب إبادة جماعية على قطاع غزة استمرت عامين، وأسفرت عن نحو 72 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح، إضافة إلى تدمير قرابة 90% من البنية التحتية المدنية.

هذه الحرب لم تدمّر غزة فقط، بل دمرت ما تبقى من صورة إسرائيل دوليًا، وحولتها في نظر ملايين البشر إلى نموذج للدولة المارقة التي تنتهك القانون الدولي بلا مساءلة.

وتقدّر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار القطاع بنحو 70 مليار دولار، في مؤشر على حجم الجريمة الممنهجة التي ارتُكبت بحق شعب أعزل، وسط صمت أو تواطؤ غربي واسع.

في هذا السياق، يصبح حديث بينيت عن “الخوف بدل المحبة” تعبيرًا صريحًا عن عقلية استعمارية ترى في القوة وحدها وسيلة للبقاء.

صراع النخب: بين إعادة التجميل واستمرار القمع

يحاول بينيت، من خلال خطابه، تقديم نفسه كبديل “عقلاني” لنتنياهو، قادر على إدارة القوة بذكاء أكبر، وإعادة ترميم العلاقة مع الغرب دون التخلي عن جوهر المشروع الاستيطاني.

لكن الفارق بين الرجلين ليس في الجوهر، بل في الأسلوب. فكلاهما يؤمن بأن السيطرة على الفلسطينيين، وتكريس التفوق العسكري، ومنع قيام دولة مستقلة، هي ثوابت غير قابلة للنقاش.

الاختلاف الحقيقي يدور حول طريقة إدارة الأزمة: هل تكون عبر التصعيد الفوضوي كما يفعل نتنياهو، أم عبر قمع منضبط مغلف بخطاب دبلوماسي كما يفضّل بينيت؟

الاحتلال في مأزق تاريخي: مستقبل قائم على الخوف لا الشرعية

تكشف تصريحات بينيت أن إسرائيل دخلت مرحلة جديدة من القلق الوجودي، بعد انهيار وهم “الدولة المحبوبة” أو “المتسامح معها”. فالمشروع الصهيوني يواجه اليوم أزمة شرعية غير مسبوقة، داخليًا وخارجيًا.

الرهان على الخوف قد ينجح مؤقتًا، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا، ولا يضمن أمنًا طويل الأمد. فالدول التي تقوم على القمع والعنف وحده، دون عدالة أو اعتراف بحقوق الشعوب، تظل مهددة من الداخل والخارج.

وفي النهاية، فإن اعتراف بينيت بفشل “محاولة كسب العالم” ليس سوى شهادة من داخل المنظومة على أن الاحتلال بات عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا على نفسه، قبل أن يكون عبئًا على ضحاياه.

اقرأ أيضًا : استمرار إضراب المعلمين في تونس يكشف أزمة الأجور وقمع قيس سعيد للحوار الاجتماعي