في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، أطلق الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تحذيرات لافتة من تداعيات ما وصفه بتفكك النظام الدولي القائم على القواعد، محمّلاً قوى إقليمية ودولية مسؤولية تغذية منطق القوة على حساب القانون والشرعية. وجاءت تصريحاته خلال مشاركته في منتدى الجزيرة السابع عشر بالدوحة، في خطاب حمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود الصومال، لتلامس مستقبل القرن الأفريقي والبحر الأحمر والنظام العالمي برمته.
![]()
النظام الدولي بين “قوة الحق” و”حق القوة”
ركز الرئيس الصومالي في كلمته على ما اعتبره تراجعاً خطيراً في الالتزام بالقانون الدولي، محذراً من عودة منطق الهيمنة والفرض بالقوة. وأكد أن العالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة تشبه تلك التي سبقت الحربين العالميتين، حين انهارت الضوابط القانونية لصالح منطق المصالح الضيقة.
واعتبر أن النظام الدولي، رغم عيوبه، وفّر لعقود إطاراً لإدارة النزاعات، ومنع انزلاق العالم إلى صراعات مفتوحة. غير أن ما يجري اليوم، من تجاهل للقرارات الدولية، وازدواجية في المعايير، بات يهدد هذا الإطار، ويفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية واسعة النطاق.
الدور الإسرائيلي في القرن الأفريقي: تمدد أم اختراق؟
أبرز ما ميّز خطاب الرئيس الصومالي هو حديثه الصريح عن الدور الإسرائيلي في ملفات تمس استقرار بلاده والمنطقة. فقد أشار إلى تحركات واتفاقيات وصفها بغير القانونية، وعلى رأسها مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تندرج ضمن سياسة إسرائيلية أوسع لتوسيع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بهدف تعزيز حضورها الأمني والاستخباراتي والتجاري، في واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم.
واعتبر حسن شيخ محمود أن هذه الخطوات تمثل انتهاكاً مباشراً لسيادة الصومال، وتفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة بعيداً عن الإرادة الشعبية والشرعية الدولية.
الإمارات والتدخل غير المباشر: بوابة لخدمة الاحتلال؟
لمّح الرئيس الصومالي، بشكل غير مباشر، إلى دور بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، في تسهيل هذه التدخلات. وتشير تقارير متعددة إلى أن أبوظبي لعبت خلال السنوات الماضية دوراً محورياً في ملفات الموانئ والقواعد العسكرية في الصومال وأرض الصومال، بما يخدم أجندات خارجية مرتبطة بإسرائيل.
ويُنظر إلى الاستثمارات الإماراتية في الموانئ والمناطق الساحلية، خصوصاً في بربرة وبوصاصو، باعتبارها أدوات نفوذ سياسي وأمني، أكثر منها مشاريع تنموية خالصة. كما يرى محللون أن هذه التحركات تسهم في إضعاف الدولة المركزية، وتعزيز الانقسامات الداخلية.
وفي هذا السياق، يبدو أن تحذير الرئيس الصومالي موجّه أيضاً إلى ما وصفه بـ”وكلاء النفوذ”، الذين يعملون على تمرير مشاريع تخدم الاحتلال الإسرائيلي تحت غطاء الاستثمار والتنمية.
غزة والنظام العالمي: اختبار الأخلاق الدولية
ربط حسن شيخ محمود بين ما يجري في غزة وبين تآكل منظومة القانون الدولي، واصفاً الحرب الإسرائيلية بأنها تمثل مستوى غير مسبوق من اللاإنسانية. واعتبر أن الصمت الدولي تجاه الجرائم المرتكبة في القطاع يشكل دليلاً على ازدواجية المعايير، ويقوّض مصداقية المؤسسات الدولية.
وأكد أن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية، قائم على حل الدولتين، سيبقى مصدراً دائماً للتوتر وعدم الاستقرار، ليس في الشرق الأوسط فقط، بل على مستوى النظام العالمي.
ومن هذا المنطلق، قدم الرئيس الصومالي القضية الفلسطينية باعتبارها معياراً أخلاقياً لمدى التزام العالم بالقيم التي يعلن الدفاع عنها.
الأمن والإرهاب: الصومال في خط المواجهة الأول
على الصعيد الأمني، شدد الرئيس على أن بلاده لا تخوض حربها ضد تنظيمي القاعدة وداعش دفاعاً عن نفسها فقط، بل نيابة عن المنطقة والعالم. وأكد أن الصومال يدفع ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب، في ظل إمكانات محدودة وتحديات اقتصادية وسياسية كبيرة.
وأوضح أن الاستراتيجية الصومالية تقوم على مقاربة شاملة، تجمع بين العمل العسكري والإصلاح الفكري والتنمية الاقتصادية، محذراً من أن غياب الدعم الحقيقي قد يعيد إنتاج الفوضى.
البحر الأحمر: ساحة صراع دولي مفتوحة
توقف الخطاب الرئاسي عند أهمية البحر الأحمر باعتباره شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، ومحوراً للتنافس الدولي المتصاعد. وحذر من أن عسكرة هذا الممر، وتحويله إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية، سيؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وأمنية واسعة.
واعتبر أن أي محاولة لتغيير الواقع الجيوسياسي في هذه المنطقة، عبر اتفاقيات غير شرعية أو قواعد عسكرية مشبوهة، تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي.
رسالة سياسية تتجاوز الصومال
يمكن قراءة خطاب حسن شيخ محمود باعتباره محاولة لإعادة تموضع الصومال سياسياً، والخروج من دور الدولة الهامشية إلى فاعل يحذر من اختلالات النظام الدولي. فهو لم يكتف بعرض مظالم بلاده، بل قدم رؤية نقدية شاملة لمسار العالم.
وفي ختام كلمته، دعا إلى دور أكبر للإعلام والمجتمع المدني في فضح التدخلات الخارجية، والدفاع عن سيادة الدول، مؤكداً أن العودة إلى منطق القوة لن تنتج سوى عالم أكثر اضطراباً.
وبين تحذيراته من الدور الإسرائيلي، وانتقاداته الضمنية للإمارات، وربطه بين غزة والقرن الأفريقي، بدا الرئيس الصومالي وكأنه يطلق نداءً مبكراً ضد مشروع إقليمي ودولي يعيد تشكيل المنطقة على حساب شعوبها وسيادتها.
اقرأ أيضا : السودان ينهار تحت نيران الحرب وتواطؤ الخارج ودعم الإمارات للميليشيات