هل بدأت الولايات المتحدة تشهد انقلابًا تدريجيًا في نظرتها التاريخية لإسرائيل؟ سؤال بات يفرض نفسه بقوة بعد نتائج استطلاع حديث كشف عن تراجع كبير في نسبة تأييد إسرائيل بين الأمريكيين، في تحول لا يبدو عابرًا، بل يعكس تغييرات عميقة في الوعي السياسي والاجتماعي، قد تمتد تداعياتها إلى الانتخابات المقبلة وإلى طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.

انقسام غير مسبوق في التعاطف الشعبي

أظهر الاستطلاع الذي أجرته شبكة “أن بي سي” أن التوازن في التعاطف بين الإسرائيليين والفلسطينيين بات شبه متساوٍ، حيث عبّر 40% من الناخبين المسجلين عن دعمهم لإسرائيل، مقابل 39% للفلسطينيين. هذه الأرقام تمثل تحوّلًا جذريًا مقارنة بعام 2013، عندما كانت الكفة تميل بوضوح لصالح إسرائيل بنسبة 45% مقابل 13% فقط للفلسطينيين.

هذا التراجع لا يقتصر على الأرقام فحسب، بل يعكس تغيرًا نوعيًا في طبيعة الخطاب العام داخل الولايات المتحدة، حيث لم تعد إسرائيل تحظى بالإجماع التقليدي الذي طالما ميز السياسة الأمريكية.

الانقسام الحزبي يتعمّق: الديمقراطيون في اتجاه معاكس

تكشف البيانات عن انقسام حاد بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة. فبينما لا يزال ثلثا الجمهوريين يدعمون إسرائيل، على غرار ما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن، شهد الحزب الديمقراطي تحولًا لافتًا، حيث بات ثلثا أعضائه يميلون إلى دعم الفلسطينيين.

هذا التحول داخل الحزب الديمقراطي يحمل دلالات سياسية عميقة، خاصة في ظل تصاعد تأثير التيارات التقدمية التي تتبنى مواقف أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، وتدعو إلى إعادة النظر في الدعم غير المشروط لها.

نظرة سلبية متزايدة تجاه إسرائيل

تشير نتائج الاستطلاع إلى أن نحو 60% من الديمقراطيين، وقرابة 50% من المستقلين، ينظرون إلى إسرائيل بشكل سلبي، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالسنوات الماضية. في المقابل، تحسّنت صورة الفلسطينيين لدى هذه الفئات، ما يعكس تحوّلًا في الرواية السائدة داخل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويبدو أن هذا التغيير لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وإنسانية، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، والتي أعادت تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين، وأثارت تساؤلات داخل المجتمع الأمريكي حول طبيعة الدعم المقدم لإسرائيل.

الشباب الأمريكي يقود موجة التغيير

أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في مواقف الشباب الأمريكي. فقد أظهرت البيانات أن نحو ثلثي الناخبين تحت سن 35 ينظرون إلى إسرائيل بشكل سلبي، بينما عبّر 60% منهم عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين.

هذا التحول بين الشباب يعكس تغيرًا في مصادر المعرفة والتأثير، حيث يعتمد الجيل الجديد بشكل أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، التي تقدم روايات بديلة عن تلك التي كانت تهيمن على الإعلام التقليدي.

كما يعكس هذا التوجه تزايد الوعي بالقضايا الحقوقية والإنسانية، وهو ما يجعل الشباب أكثر حساسية تجاه الصراعات التي تتضمن اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان.

تداعيات سياسية محتملة على انتخابات 2028

يرى خبراء أن هذه التحولات قد تكون لها انعكاسات كبيرة على المشهد السياسي الأمريكي، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2028. إذ من المتوقع أن تصبح قضية إسرائيل وفلسطين محورًا أساسيًا في النقاشات داخل الحزب الديمقراطي، وربما أحد عوامل الانقسام في الانتخابات التمهيدية.

وأشار خبير الاستطلاعات الجمهوري بيل ماكنتورف إلى أن “ما نشهده اليوم غير قابل للمقارنة بما كانت عليه أمريكا قبل عشرين أو ثلاثين عامًا”، في إشارة إلى التغير العميق في مواقف الناخبين.

هذا التصريح يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الأوساط السياسية بأن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لم تعد خارج دائرة النقاش أو النقد، كما كانت في السابق.

نهاية الإجماع التقليدي وبداية مرحلة جديدة

تشير هذه النتائج إلى أن الولايات المتحدة قد تكون بصدد الدخول في مرحلة جديدة، تتسم بتعدد وجهات النظر بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعد عقود من الإجماع شبه المطلق لصالح إسرائيل.

هذا التحول لا يعني بالضرورة تغيّرًا فوريًا في السياسات الرسمية، لكنه يضع ضغوطًا متزايدة على صناع القرار، خاصة داخل الحزب الديمقراطي، لإعادة تقييم مواقفهم بما يتماشى مع توجهات قواعدهم الشعبية.

في المقابل، قد يدفع هذا التغير إسرائيل إلى إعادة حساباتها بشأن الرهان على الدعم الأمريكي غير المشروط، في ظل بيئة سياسية وشعبية باتت أكثر تعقيدًا وأقل انحيازًا.

خاتمة: هل يتغير المسار أم يعاد إنتاجه؟

يبقى السؤال الأهم: هل ستترجم هذه التحولات في الرأي العام إلى تغييرات فعلية في السياسة الأمريكية، أم ستبقى محصورة في إطار النقاشات الشعبية والإعلامية؟

ما هو واضح أن الصورة التقليدية لإسرائيل داخل الوعي الأمريكي لم تعد كما كانت، وأن مرحلة جديدة تتشكل، قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين الطرفين، وتفتح الباب أمام سيناريوهات لم تكن مطروحة من قبل.

اقرأ أيضًا : انقسام داخل البيت الأبيض حول الحرب على إيران يكشف صراعاً مبكراً على خلافة ترامب