في خطوة لافتة تعيد إلى الأذهان صورًا من “الابتزاز السياسي” الذي مارسه خلال ولايته الأولى، يخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزيارة المملكة العربية السعودية في منتصف أيار/مايو القادم، في أول جولة خارجية له منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025.

ووفقًا لتقرير نشره موقع “أكسيوس”، فإن زيارة ترامب المرتقبة تهدف إلى إبرام اتفاق ضخم يتضمن استثمارات سعودية تزيد عن تريليون دولار، تشمل شراء معدات عسكرية وضخ أموال في الاقتصاد الأمريكي.

هذه الزيارة المنتظرة تثير تساؤلات حول الثمن الذي ستدفعه الرياض مجددًا للحفاظ على دعم ترامب، وتعيد النقاش حول طبيعة العلاقة بين الطرفين، والتي اتسمت سابقًا بالخضوع السعودي مقابل الحماية الأمريكية.

صفقة التريليون: استثمار أم ابتزاز متجدد؟

منذ أن أعلن ترامب عزمه على زيارة المملكة، بدأ الحديث يتصاعد عن حجم الاستثمارات المنتظرة، والتي تتجاوز حاجز التريليون دولار، تشمل اتفاقات عسكرية وتجارية واقتصادية واسعة النطاق. 

هذه الخطوة تعيد إلى الأذهان زيارة ترامب الأولى إلى الرياض في عام 2017، حين أعلن عن صفقات بلغت 350 مليار دولار، استخدمها لاحقًا كدليل على “نجاحه” الدبلوماسي وقدرته على “ابتزاز الحلفاء” لصالح الاقتصاد الأمريكي.

لكن اليوم، يبدو أن الثمن بات أعلى، والابتزاز أوضح، خصوصًا في ظل تدهور صورة السعودية دوليًا بسبب حرب غزة، وتراجع ثقة الشركاء الغربيين فيها.

ترامب، المعروف بخطابه العلني المتغطرس تجاه السعودية، سبق وأن وصف المملكة بأنها “بقرة حلوب”، وأكد أنه لا مانع لديه من أخذ الأموال مقابل الحماية. فهل تتكرر هذه الصورة مجددًا؟ وهل لدى السعودية بدائل فعلية غير الارتماء مجددًا في أحضان ترامب؟

أجندة مزدوجة

في خلفية هذه الزيارة، تلوح ملفات أكثر حساسية، وعلى رأسها الدفع باتجاه ضم السعودية إلى “اتفاقيات أبراهام” التي أبرمتها إدارة ترامب الأولى، وهدفت لتطبيع العلاقات بين “إسرائيل” وعدد من الأنظمة العربية. 

ورغم التحفظ السعودي المعلن على الانخراط في هذه الاتفاقيات بسبب الحرب المستمرة على غزة، إلا أن تسريبات متعددة تؤكد وجود ضغوط أمريكية لإحياء مسار التطبيع، وربطه مباشرة بالمكاسب الاقتصادية والعسكرية.

وبحسب ما نقله “أكسيوس”، فإن ترامب تعهد مؤخرًا بتوسيع دائرة الموقعين على الاتفاقيات، معتبرًا أن السعودية “مفتاح إقليمي” يجب ألا يتأخر في اللحاق بهذا الركب. 

وفي هذا السياق، يجري استخدام الاستثمارات السعودية كورقة ضغط، في معادلة واضحة: المال مقابل التطبيع. وتُطرح التساؤلات هنا عن مدى استعداد النظام السعودي للتضحية بالموقف الرمزي تجاه القضية الفلسطينية مقابل رضا أمريكي وصفقات اقتصادية.

الرمزية السياسية: أول زيارة خارجية تعيد ترتيب التحالفات

اختيار السعودية لتكون أول وجهة خارجية لترامب في ولايته الثانية ليس قرارًا عشوائيًا، بل يحمل رمزية سياسية واضحة، تعكس رغبة ترامب في إعادة تشكيل تحالفاته في الشرق الأوسط على أسس “الربح والخسارة”، بعيدًا عن أي اعتبارات حقوقية أو إنسانية. 

فبينما يغرق قطاع غزة في كارثة إنسانية نتيجة العدوان الإسرائيلي، يصر ترامب على استغلال الفرصة لإعادة تسويق “السلام الاقتصادي” كغطاء لتطبيع مرفوض شعبيًا.

واللافت أن هذه الزيارة تأتي في وقت تتزايد فيه الانتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها لتقارب واشنطن غير المشروط مع السعودية، خاصة بعد تقارير تحدثت عن تورط مسؤولين سعوديين في قمع المعارضين بالخارج، واستخدام أدوات المراقبة والتجسس على نطاق واسع. 

ورغم ذلك، لا يبدو أن ترامب يرى في هذه القضايا ما يستدعي التوقف أو المراجعة، بل يعتبرها أوراق ضغط تضاف إلى ترسانة الابتزاز السياسي الذي يتقنه.

تحالف المال والسلاح على حساب الشعوب


زيارة ترامب المرتقبة إلى السعودية ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل فصل جديد من فصول التحالف القائم على المصالح الضيقة والصفقات المشبوهة. 

ففي الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة إلى حلول سياسية عادلة، وخاصة في ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد التوترات الإقليمية، تفضل واشنطن وترامب مقايضة القيم والمبادئ بمليارات الدولارات وصفقات السلاح.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بقوة: إلى متى سيستمر هذا النمط من العلاقات، الذي يقوم على إذلال الحلفاء واستغلال أموال الشعوب؟ وهل يمكن للمملكة أن تمارس دورًا إقليميًا مستقلًا وهي مرتهنة لرئيس أمريكي ينظر إليها كـ”محفظة نقود”؟ الإجابات ربما تتضح خلال زيارة أيار/مايو، ولكن المؤكد أن الشعوب تراقب، والتاريخ لا ينسى.

اقرأ أيضًا : ساندرز يتحدى الإجماع الأمريكي: محاولة لوقف تسليح “إسرائيل” وسط كارثة إنسانية في غزة