في عودة واضحة إلى سياسة “الابتزاز الناعم” التي انتهجها إبان رئاسته، كشفت وكالة رويترز أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يستعد لطرح صفقات أسلحة تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار على النظام السعودي، خلال زيارة مرتقبة له إلى الرياض.
الخطوة تأتي في توقيت سياسي واقتصادي حساس، وتعيد إلى الواجهة الأسلوب الذي اتبعه ترامب خلال ولايته الأولى، حين تفاخر علنًا بقدرته على “حلب” أموال السعودية مقابل الحماية، قائلاً: “إنهم يملكون المال، وسنأخذ منهم الكثير”.
صفقة كبرى.. ولكن بثمن سياسي
بحسب ستة مصادر مطلعة تحدثت إلى رويترز، فإن ترامب يعتزم تقديم هذه الحزمة الضخمة من صفقات السلاح خلال زيارته المقبلة للسعودية في مايو المقبل. وتشمل الحزمة:
-
طائرات نقل من طراز C-130 من شركة لوكهيد مارتن.
-
صواريخ وأجهزة رادار متطورة.
-
طائرات مسيّرة من طراز MQ-9B SeaGuardian من شركة جنرال أتوميكس.
-
مساهمات محتملة من شركات مثل بوينغ، رايثيون (RTX)، ونورثروب غرومان.
وقالت المصادر إن جزءًا كبيرًا من هذه الصفقات كان قيد الإعداد منذ عام 2018، لكنه تعثّر بسبب الانتقادات في الكونغرس بعد جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.
فشل بايدن… وفرصة ترامب
الحزمة العسكرية التي يخطط ترامب لتقديمها تأتي على أنقاض صفقة أمنية فاشلة حاولت إدارة بايدن إبرامها مع الرياض، كانت تهدف إلى ربط بيع الأسلحة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، مقابل تقييد التعاون السعودي مع الصين.
لكن خلافات استراتيجية حالت دون إنجاح تلك الصفقة، وهو ما فتح الباب أمام ترامب لاستغلال الظرف مجددًا وعرض صفقة مغرية خالية من الاشتراطات السياسية الصلبة، تقوم على المال مقابل السلاح والسكوت.
تحالف السلاح والنفط: إعادة تموضع بعد حرب غزة
منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، تشهد العلاقة الأمريكية السعودية إعادة دفء تدريجي، خاصة بعد أن رفعت إدارة بايدن الحظر عن مبيعات الأسلحة الهجومية إلى المملكة في 2024.
ويُنظر إلى زيارة ترامب – المدعوم من لوبيات السلاح – كفرصة لإعادة تعويم علاقاته بالأنظمة الخليجية، مقابل تقديم دعم سياسي و”أمن شخصي” يضمن استقرارهم الداخلي، ويخفف الضغوط الغربية على ملفي حقوق الإنسان والتطبيع.
طموح سعودي لامتلاك الـF-35.. لكن إسرائيل أولًا
من أبرز الملفات الحساسة التي يُتوقع طرحها، وفق رويترز، رغبة الرياض في الحصول على طائرات F-35 الأمريكية الشبحية.
لكن المصادر ترى أن الصفقة لا تزال مستبعدة في الوقت الراهن، نظرًا لالتزام واشنطن بضمان ما يُعرف بـ”التفوق العسكري النوعي لإسرائيل“، والذي يجعلها الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك هذا الطراز من الطائرات منذ 9 سنوات.
هذا الواقع يعكس مجددًا كيف يتم التعامل مع السعودية كـ”خزينة تمويل”، لا كشريك استراتيجي متساوٍ، في وقت تواصل فيه إسرائيل التمتع بالامتيازات العسكرية الحصرية، حتى من قبل الإدارات الجمهورية المقربة من الرياض.
صفقة السلاح… عودة لمنطق “الجزية الحديثة”
-
زيارة ترامب والصفقة المرتقبة تكرّس نهجًا يقوم على استنزاف موارد الخليج مقابل الحماية الشكلية.
-
النظام الإماراتي حليف مركزي في هذا التوجه، لكن النظام السعودي يبقى الخزان المالي الأهم الذي تراهن عليه واشنطن في تغذية صناعاتها الدفاعية.
-
ترامب يُعيد تدوير ورقة “الوظائف الأمريكية مقابل الصفقات الخليجية”، وهي خطاباته السابقة التي روج لها في 2017 و2018، حين تعهد بجعل السعودية “دولة تدفع مقابل كل شيء”.
لكن الأهم أن هذه الصفقات:
-
تغيب عنها أي شروط سياسية أو حقوقية، مما يبعث برسالة واضحة: عودة ترامب إلى المشهد تعني مزيدًا من التسليح، ومزيدًا من التغاضي عن القمع والديكتاتورية.
-
تعيد للأذهان سياسة “المال مقابل الشرعية”، حيث تشتري الأنظمة الخليجية بقاءها عبر إرضاء اللوبيات السياسية الأمريكية، خاصة في ظل التغيرات التي طرأت بعد الحرب في غزة.
الرئيس الأمريكي لا يزور الرياض بدافع الدبلوماسية، بل بذهنية المقاول ورجل الأعمال.
صفقات السلاح التي يتفاخر بها ليست سوى جزء من مشروع أوسع لابتزاز الثروات الخليجية وتوظيفها لتمويل الاقتصاد الأمريكي، ولو على حساب أمن المنطقة واستقرارها السياسي.
اقرأ أيضا: حفلات ماجنة في السعودية: لماذا تريد المملكة التخلي عن صورتها المتدينة؟