يشهد المشهد السياسي في الولايات المتحدة تحولات تدريجية لكنها لافتة في طبيعة الدعم المقدم لإسرائيل، بعد أن كان هذا الدعم يُعدّ لعقود طويلة من الثوابت شبه غير القابلة للنقاش داخل الكونغرس. ورغم أن مجلس الشيوخ الأمريكي عرقل، الأربعاء، قرارين كانا سيؤديان إلى وقف مبيعات أسلحة تُقدّر بنحو 450 مليون دولار، فإن نتائج التصويت كشفت عن تغيّر نوعي في المزاج السياسي، خصوصاً داخل الحزب الديمقراطي، الذي أظهر انقساماً واضحاً وغير مسبوق بشأن هذه القضية.

انقسام ديمقراطي يعكس ضغط القاعدة الشعبية

أبرز ما كشفه التصويت هو التأييد الكبير من جانب أعضاء الكتلة الديمقراطية لمحاولات تقييد مبيعات السلاح لإسرائيل، حيث دعم 47 عضواً هذه القرارات، في مؤشر واضح على تصاعد الضغوط داخل الحزب. هذا التحول لا يمكن فصله عن التغيرات التي طرأت على القاعدة الشعبية الديمقراطية، خاصة بين الشباب والتيارات التقدمية، التي باتت أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل تصاعد أعداد الضحايا المدنيين في غزة وامتداد العمليات إلى لبنان وإيران.

ورغم أن 11 ديمقراطياً انضموا إلى الجمهوريين لإفشال القرارين، فإن الفارق في الأرقام مقارنة بمحاولات سابقة يعكس تآكل الإجماع التقليدي داخل الحزب. ففي تصويتات سابقة خلال يوليو، كانت الفجوة أكبر بكثير، ما يدل على أن مسار التغيير، وإن كان بطيئاً، إلا أنه مستمر.

الجمهوريون يتمسكون بالدعم التقليدي

في المقابل، لا يزال الحزب الجمهوري يحافظ على موقفه الصلب في دعم إسرائيل، انطلاقاً من اعتبارات استراتيجية وأيديولوجية. ويرى الجمهوريون أن إسرائيل تمثل حليفاً محورياً للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وأن تزويدها بالمعدات العسكرية ضرورة لضمان أمنها في مواجهة التهديدات الإقليمية.

هذا التماسك الجمهوري ساهم بشكل حاسم في إحباط القرارين، إلى جانب بعض الأصوات الديمقراطية التي ما تزال متمسكة بالنهج التقليدي في دعم إسرائيل. كما يعكس هذا الموقف استمرار تأثير الرؤية التي تربط بين الدعم العسكري لإسرائيل والمصالح الأمريكية الأوسع في المنطقة.

دور الأصوات المستقلة والتقدمية

برز في هذا السياق دور الأصوات المستقلة والتقدمية، التي تقود حملة متزايدة للحد من الدعم العسكري غير المشروط. وقد دفع هذا التيار باتجاه طرح القضية للتصويت، ليس فقط بهدف تمرير القرار، بل أيضاً لإجبار المؤسسة السياسية على مواجهة تداعيات الدعم الأمريكي في ظل الاتهامات المتزايدة بانتهاكات بحق المدنيين.

ويستند هذا التيار إلى حجج قانونية وأخلاقية، مشيراً إلى أن مبيعات الأسلحة قد تتعارض مع قوانين المساعدة الخارجية وقوانين مراقبة تصدير الأسلحة، التي تشترط عدم استخدام الدعم العسكري في انتهاكات حقوق الإنسان.

خفوت الدعم لا يعني تغيّر السياسات فوراً

رغم هذه المؤشرات، فإن الواقع السياسي لا يزال بعيداً عن إحداث تغيير جذري في السياسات الأمريكية تجاه إسرائيل. فالدعم المؤسسي داخل الكونغرس، إلى جانب نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، ما زال قوياً بما يكفي لمنع تمرير قرارات تقيد المساعدات العسكرية.

لكن أهمية هذه التطورات تكمن في بعدها التراكمي؛ إذ إن تكرار طرح مثل هذه القرارات، وزيادة عدد المؤيدين لها، يسهمان في إعادة تشكيل النقاش العام داخل واشنطن. كما أنهما يبعثان برسائل سياسية إلى كل من الحكومة الإسرائيلية والإدارات الأمريكية بضرورة أخذ مسألة حماية المدنيين على محمل الجد.

ارتباط النقاش بسياق أوسع من التوترات

لا يمكن فصل هذا الجدل عن السياق الإقليمي الأوسع، خاصة مع تصاعد التوترات في غزة ولبنان، والحديث عن مواجهات غير مباشرة مع إيران. كما أن رفض مجلس الشيوخ لمشروع “صلاحيات الحرب”، الذي كان يهدف إلى تقييد قدرة الرئيس على شن عمليات عسكرية دون موافقة الكونغرس، يعكس بدوره حالة من التردد داخل المؤسسة التشريعية في تحدي السلطة التنفيذية في ملفات الأمن القومي.

ومع ذلك، فإن التصويتات المتقاربة نسبياً تشير إلى أن هذا التردد لم يعد مطلقاً، وأن هناك استعداداً متزايداً داخل بعض الدوائر لمراجعة السياسات التقليدية، سواء فيما يتعلق بالحروب أو مبيعات الأسلحة.

مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب

في المحصلة، يمكن القول إن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد بالصلابة التي كان عليها في السابق، حتى وإن بقي قوياً على المستوى الرسمي. التحولات داخل الحزب الديمقراطي، والضغوط الشعبية، وتكرار طرح قضايا تقييد الدعم العسكري، كلها عوامل تشير إلى بداية مرحلة جديدة من النقاش السياسي.

هذه المرحلة قد لا تؤدي في المدى القريب إلى تغييرات ملموسة في السياسات، لكنها تضع الأساس لتحولات أعمق على المدى الطويل، خاصة إذا استمرت الأزمات الإنسانية في المنطقة، واستمر معها الضغط الداخلي في الولايات المتحدة.

وبينما يظل ميزان القوى داخل الكونغرس يميل لصالح استمرار الدعم، فإن تصاعد الأصوات المعارضة يعكس حقيقة متنامية: أن الإجماع القديم حول إسرائيل بدأ يتآكل، وأن خفوت هذا الدعم، وإن كان تدريجياً، أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟