في تصعيد غير مسبوق في حدة الخطاب السياسي داخل إسرائيل، دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى اغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع، واصفًا إياه بـ”رأس الأفعى”، في تعبير يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد التصريحات الإعلامية إلى احتمالات تحول في قواعد الاشتباك الإقليمي. هذه الدعوة العلنية للاغتيال تعكس توجهًا متزايدًا داخل اليمين الإسرائيلي نحو تبني سياسات أكثر عدوانية، لا سيما في ظل التحولات التي تشهدها سوريا بعد إعادة تشكيل نظامها السياسي فيما بات يُعرف بـ”سوريا الجديدة”.

قراءة في دلالات الدعوة للاغتيال

تاريخيًا، اعتمدت إسرائيل سياسة “الاغتيالات المستهدفة” كأداة رئيسية في استراتيجيتها الأمنية، سواء في فلسطين أو خارجها. لكن دعوة شخصية سياسية بحجم بن غفير لاغتيال رئيس دولة تمثل تصعيدًا نوعيًا، إذ تنقل هذا النهج من السرية إلى العلن، ومن التكتيك الأمني إلى خطاب سياسي رسمي.

هذا التحول يعكس، من ناحية، ثقة متزايدة لدى التيار اليميني في قدرته على فرض أجندته، ومن ناحية أخرى، يشير إلى قلق عميق من التحولات في سوريا، خاصة إذا ما نجحت في إعادة بناء مؤسساتها وتعزيز قدراتها العسكرية والسياسية. فبن غفير لا يتحدث فقط عن شخص، بل عن نظام يرى فيه تهديدًا مستقبليًا يجب القضاء عليه مبكرًا.

الحرب ضد “سوريا الجديدة”: سيناريوهات محتملة

تحذير بن غفير من أن “الحرب ضد سوريا الجديدة وشيكة” يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات. أولها، احتمال تنفيذ ضربات عسكرية محدودة تستهدف مواقع عسكرية أو بنى تحتية، وهو نمط اعتمدته إسرائيل مرارًا في السنوات الماضية. أما السيناريو الثاني، فهو الانزلاق نحو مواجهة أوسع، خاصة إذا ما ردت سوريا أو حلفاؤها بشكل مباشر.

اللافت أن هذا التصعيد يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة، سواء في لبنان أو العراق أو حتى في البحر الأحمر. ما يعني أن أي مواجهة مع سوريا قد تتحول بسرعة إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات، وهو ما قد تكون إسرائيل مستعدة له عسكريًا، لكنها تدرك مخاطره السياسية والاقتصادية.

التوسع الإسرائيلي: استراتيجية تتجاوز حدود فلسطين

تصريحات بن غفير لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتعلق بما يصفه مراقبون بـ”التوسع الإسرائيلي غير المباشر” في المنطقة. هذا التوسع لا يعني بالضرورة احتلالًا تقليديًا للأراضي، بل يشمل فرض وقائع أمنية وسياسية جديدة، من خلال الضربات العسكرية، والتحالفات الإقليمية، والضغط على الدول المجاورة.

في هذا السياق، تبدو سوريا هدفًا مركزيًا، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضًا بسبب دورها المحتمل في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فإسرائيل تسعى إلى منع أي قوة إقليمية من استعادة قدرتها على التأثير، سواء كانت سوريا أو غيرها.

انعكاسات التصعيد على دول المنطقة

الخطاب التصعيدي لبن غفير يحمل رسائل تتجاوز سوريا إلى بقية دول المنطقة. فهو يعكس رؤية تعتبر أن الأمن الإسرائيلي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال إضعاف جميع الخصوم المحتملين، وهو ما يثير مخاوف من أن تمتد هذه السياسة إلى دول أخرى.

دول مثل لبنان والأردن وحتى بعض دول الخليج قد تجد نفسها أمام واقع أمني أكثر تعقيدًا، خاصة إذا ما تحولت إسرائيل إلى تبني سياسة الضربات الاستباقية بشكل أوسع. كما أن هذا النهج قد يدفع قوى إقليمية أخرى إلى تعزيز قدراتها العسكرية، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد.

بين الردع والتصعيد: هل تنجح إسرائيل في فرض معادلتها؟

السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لإسرائيل أن تفرض معادلة ردع جديدة من خلال هذا التصعيد؟ التجارب السابقة تشير إلى أن القوة العسكرية قد تحقق مكاسب قصيرة المدى، لكنها غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل.

فالدعوة إلى اغتيال رئيس دولة قد تثير ردود فعل دولية حادة، وتدفع خصوم إسرائيل إلى توحيد صفوفهم، بدلًا من إضعافهم. كما أن أي حرب جديدة في المنطقة ستكون لها تداعيات اقتصادية وإنسانية كبيرة، ليس فقط على الدول المعنية، بل على النظام الدولي بأسره.

خاتمة: المنطقة على حافة مرحلة جديدة من الصراع

في ظل هذه التطورات، يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بارتفاع مستوى المخاطر وتراجع فرص الحلول الدبلوماسية. تصريحات بن غفير قد تكون مجرد بداية لسلسلة من الأحداث التي قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، لكن الثابت أن أي تصعيد جديد سيحمل معه كلفة باهظة للجميع.

وبين حسابات القوة ومخاوف الانفجار، تبقى المنطقة رهينة قرارات سياسية قد تدفعها نحو مواجهة مفتوحة، أو تعيدها إلى مسار أكثر توازنًا، وإن كان ذلك يبدو، حتى الآن، بعيد المنال.

اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران