دخلت المواجهة بين إيران و”إسرائيل” مرحلة جديدة من التصعيد العسكري المباشر بعد أن شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة ضربات جوية واسعة على العاصمة الإيرانية طهران، في وقت ردّ فيه الحرس الثوري الإيراني بإطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه تل أبيب. 

ويأتي هذا التصعيد في سياق حرب مفتوحة بدأت أواخر شباط/فبراير الماضي، وتحولت سريعًا إلى مواجهة إقليمية معقّدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة قد تمتد إلى دول أخرى في الشرق الأوسط.

ضربات إسرائيلية واسعة تستهدف طهران

مع ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة، دوّت سلسلة انفجارات قوية في مناطق متعددة من العاصمة الإيرانية طهران، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية، بينها التلفزيون الرسمي الإيراني. وأشارت التقارير إلى أن الانفجارات تركزت في الأحياء الشرقية والغربية من المدينة، ما أثار حالة من القلق بين السكان في ظل استمرار التحليق المكثف للطائرات الحربية.

الجيش الإسرائيلي أعلن في بيان رسمي أن قواته نفذت “موجة ضربات واسعة النطاق على بنى تحتية تابعة للنظام الإيراني في طهران”، مشيرًا إلى أن الهجمات استهدفت منشآت عسكرية ومواقع يشتبه باستخدامها في تطوير القدرات الصاروخية والمسيرة.

وتؤكد تل أبيب أن هذه الضربات تأتي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية ومنع طهران من توسيع نفوذها العسكري في المنطقة. غير أن هذا النوع من الضربات المباشرة داخل العمق الإيراني يمثل تحولًا خطيرًا في قواعد الاشتباك التي حكمت الصراع بين الطرفين لعقود، حيث كانت المواجهة غالبًا تتم عبر ساحات غير مباشرة مثل سوريا ولبنان.

الحرس الثوري يرد بصواريخ ومسيرات نحو تل أبيب

لم يتأخر الرد الإيراني كثيرًا، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق وابل من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى. وأفاد الجيش الإسرائيلي برصد صواريخ أُطلقت من الأراضي الإيرانية باتجاه “إسرائيل”، مؤكداً أن منظومات الدفاع الجوي تعمل على اعتراضها.

وسُمع دوي انفجارات عدة في سماء تل أبيب، وسط تفعيل واسع لصفارات الإنذار في مناطق مختلفة. وتشير هذه التطورات إلى أن المواجهة بين الطرفين لم تعد تقتصر على ضربات محدودة أو عمليات سرية، بل باتت مواجهة عسكرية مباشرة تتبادل فيها الدولتان القصف الصاروخي والجوي.

ويرى مراقبون أن إيران تسعى من خلال هذه الهجمات إلى توجيه رسالة ردع واضحة، مفادها أن أي استهداف لعمقها الجغرافي سيقابل برد مباشر على المدن الإسرائيلية، وهو ما يعكس تحولاً في الاستراتيجية الإيرانية التي كانت تعتمد سابقًا بشكل أكبر على حلفائها الإقليميين في الرد.

خسائر مدنية كبيرة داخل إيران

في المقابل، كشفت السلطات الإيرانية عن حجم الأضرار التي خلفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية على البلاد منذ بدء الحرب. وأعلن رئيس الهلال الأحمر الإيراني بير حسين كوليفند أن أكثر من أربعة آلاف مبنى مدني تعرضت لأضرار نتيجة القصف.

وأوضح المسؤول الإيراني أن 3646 منزلًا ومنشأة مدنية تضررت جراء الهجمات، في حين دُمرت 528 وحدة تجارية بالكامل. كما خرجت ثلاثة مستشفيات عن الخدمة بسبب القصف، وتضرر 14 مركزًا صحيًا في مناطق مختلفة.

وفي مدينة شيراز جنوب إيران، أعلنت السلطات المحلية مقتل عشرين مدنيًا وإصابة ثلاثين آخرين جراء هجوم استهدف محيط حديقة “زيبا شهر”. ووفق نائب محافظة فارس جليل حسيني، فإن القصف أدى إلى تدمير مركز الطوارئ الطبية “115” بالكامل، إلى جانب أضرار في مرافق بلدية أخرى.

وتثير هذه الأرقام مخاوف متزايدة من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين مع استمرار العمليات العسكرية، خصوصًا أن الضربات تستهدف مناطق حضرية مأهولة بالسكان.

حرب مفتوحة منذ نهاية فبراير

منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، تشن الولايات المتحدة و”إسرائيل” هجمات عسكرية مكثفة على إيران، في إطار عملية تهدف – بحسب الرواية الغربية – إلى تقويض القدرات العسكرية الإيرانية ومنعها من تطوير برامجها الصاروخية.

لكن هذه الحرب اتخذت منعطفًا خطيرًا بعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين في غارات مشتركة، وهو ما اعتبرته طهران إعلان حرب مباشر يستدعي ردًا واسع النطاق.

ومنذ ذلك الحين، تشهد المنطقة سلسلة متواصلة من الضربات المتبادلة، حيث تطلق إيران صواريخ ومسيرات باتجاه “إسرائيل”، بينما تستهدف الأخيرة مواقع عسكرية وبنى تحتية داخل إيران.

كما وسعت طهران نطاق ردها ليشمل ما تصفه بـ”المصالح الأمريكية” في المنطقة، حيث تعرضت قواعد ومنشآت وموانئ في عدد من الدول العربية لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بمرافق مدنية.

مخاوف من اتساع رقعة الحرب

يرى محللون أن استمرار هذا التصعيد قد يقود إلى مواجهة إقليمية شاملة، خاصة مع دخول أطراف دولية وإقليمية في الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر. فوجود قوات أمريكية في المنطقة، إلى جانب دعم عسكري غربي واسع لـ”إسرائيل”، يزيد من احتمالات اتساع نطاق الحرب.

في المقابل، تمتلك إيران شبكة من الحلفاء الإقليميين في عدة دول، ما يمنحها القدرة على فتح جبهات متعددة في حال تصاعدت المواجهة.

وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الخطورة، حيث لم تعد المواجهة مجرد حرب بالوكالة أو ضربات محدودة، بل صراع مفتوح بين قوتين إقليميتين يمتلك كل منهما ترسانة عسكرية كبيرة وقدرة على إلحاق أضرار واسعة بالآخر.

ومع استمرار القصف المتبادل بين طهران وتل أبيب، يبقى السؤال الأكبر المطروح: هل يمكن احتواء هذا التصعيد قبل أن يتحول إلى حرب إقليمية واسعة يصعب السيطرة عليها؟ أم أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الصراع طويل الأمد؟

اقرأ أيضًا : غارات جديدة على طهران تكشف اتساع الحرب وتفاقم خسائر واشنطن