في خطوة وصفت بـ “الانتحار التنظيمي” وكسر للقواعد العسكرية الراسخة، أقدم وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث” على الإطاحة برئيس أركان الجيش (القوات البرية) الجنرال المخضرم “راندي جورج”، مجبراً إياه على التقاعد الفوري في منتصف ولايته. هذه الإقالة الصاعقة تأتي بينما تقف القوات البرية الأمريكية على أعتاب أكبر مواجهة مباشرة مع إيران منذ عقود، مما يثير تساؤلات حارقة حول دوافع إدارة ترامب في تفكيك القيادة العسكرية العليا واستبدال “خبراء الحروب” بـ “أهل الثقة والولاء”، في مغامرة قد تكلف الجيش الأمريكي غاليا في ميادين المواجهة الملتهبة.
كسر القاعدة الذهبية.. “تغيير الجياد في منتصف النهر”
خالف هيغسيث العرف العسكري القائل بضرورة استقرار القيادة أثناء العمليات الحربية؛ فإحالة الجنرال جورج –الذي تولى منصبه عام 2023– للتقاعد القسري قبل عامين من نهاية مدته، يمثل ضربة لتماسك القوات البرية. الجنرال المطرود ليس مجرد ضابط مكتبي، بل هو “محارب مشاة” متمرس في حروب الخليج وأفغانستان، وكان يقود “مبادرة تحول الجيش” لإدخال الطائرات المسيرة في صلب العقيدة القتالية مستلهماً دروس أوكرانيا. الإطاحة به الآن تعني عملياً “قطع رأس” الرؤية التحديثية للجيش الأمريكي في وقت هو أمسّ الحاجة فيه لكل ميزة تكنولوجية لمواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
“تصفية حسابات” إدارة بايدن.. الولاء أولاً ولا عزاء للكفاءة
تكشف التقارير أن الجريمة الحقيقية للجنرال جورج في نظر “هيغسيث” ودائرته اليمينية ليست ضعفاً في الأداء، بل هي “خلفيته السياسية”؛ حيث عمل سابقاً كبيراً للمساعدين العسكريين لوزير الدفاع الديمقراطي لويد أوستن. مراقبون في واشنطن يؤكدون أن الإقالة تندرج ضمن حملة “تطهير” داخلية يقودها هيغسيث للتخلص من كل من له صلة بإدارة بايدن السابقة، مما يحول البنتاغون من مؤسسة عسكرية وطنية إلى ساحة لتصفية الحسابات الحزبية، حتى لو كان الثمن هو إرباك الخطط الحربية ضد طهران.
القوات البرية في مهب الريح.. مغامرة الغزو بلا قادة
تأتي هذه الإقالة وسط تسريبات عن نية واشنطن الدفع بقوات برية في الحرب الجارية حالياً على إيران، وهو ما يجعل توقيت الإطاحة بجورج “كارثياً” من الناحية التكتيكية. غياب قائد متمرس مثل جورج عن غرفة العمليات قد يؤدي إلى تخبط في إدارة الوحدات البرية إذا ما تقرر الغزو، خاصة وأن البدلاء المقترحين قد يفتقرون للخبرة الميدانية العميقة مقابل تمتعهم بـ “الولاء المطلق” لترامب. هذا المسار يضع حياة الجنود الأمريكيين في خطر مباشر، حيث تُبنى الخطط العسكرية وفقاً لأهواء “السياسيين” لا “المحاربين”.
الخلاصة: “جيش ترامب الخاص”
أثبتت إقالة الجنرال راندي جورج أن إدارة ترامب الجديدة تسعى لبناء “جيش خاص” يدين بالولاء الشخصي للبيت الأبيض لا للدستور أو المؤسسة العسكرية. إن التضحية بقائد أركان الجيش في قلب المعركة هو رسالة ترهيب لبقية الجنرالات: “إما الولاء الأعمى أو الإقالة الفورية”. وفي ظل تصاعد المواجهة الإقليمية، تبدو واشنطن وكأنها تطلق النار على قدميها؛ فالمعركة مع إيران تحتاج لخبراء ميدانيين لا لـ “محاربي شاشات”، وإقالة جورج قد تكون المسمار الأول في نعش التفوق العسكري الأمريكي في حربٍ باتت تُدار بعقلية “الولاء السياسي” فوق “السيادة الوطنية”.