في تصعيد جديد يعكس استمرار النهج العسكري الإسرائيلي تجاه قطاع غزة، أطلق رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، تهديدات مباشرة بشن هجوم جديد، مؤكداً من مدينة رفح أن جيشه “لن يتخلى” عن هدف نزع السلاح الكامل من القطاع، في موقف يعكس تعنّتاً سياسياً وعسكرياً يعرقل أي مسار حقيقي للتهدئة أو إعادة الإعمار.

تصريحات من قلب رفح: خطاب القوة بدل السياسة

خلال جولة ميدانية جنوب قطاع غزة، قال زامير إن الجيش الإسرائيلي لن يتراجع عن هدف “تجريد غزة من السلاح”، معتبراً أن هذا المبدأ “ينطبق على جميع الجبهات”. وادّعى أن قواته حققت “إنجازاً غير مسبوق” عبر تدمير الكتائب الأمامية لـ حركة حماس، في محاولة لتقديم صورة نصر عسكري رغم الواقع الميداني المعقّد.

وجاءت هذه التصريحات في سياق استعراض للقوة، هدفه توجيه رسائل ردع للفصائل الفلسطينية، وطمأنة الداخل الإسرائيلي، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لنتائج الحرب وتكلفتها السياسية والإنسانية.

ادعاءات “الحسم” والسيطرة الأمنية

زعَم زامير أن حماس “هُزمت عسكرياً”، وأن الجيش يسيطر على “الخط الأمني” ومداخل القطاع، ويواصل ما وصفه بـ”التطهير المنهجي للبنية التحتية للإرهاب”. كما تحدث عن استعداد جيشه للانتقال من “الدفاع إلى الهجوم” في أي لحظة.

غير أن هذه الادعاءات تتناقض مع مؤشرات عديدة، أبرزها استمرار التوتر الميداني، وبقاء الفصائل الفلسطينية قادرة على تنفيذ عمليات، إضافة إلى هشاشة الوضع الأمني في المناطق التي أعلن الاحتلال “تطهيرها” سابقاً.

ويرى مراقبون أن الخطاب العسكري يهدف بالأساس إلى تغطية فشل تحقيق الأهداف المعلنة، وفي مقدمتها القضاء الكامل على المقاومة أو فرض واقع أمني مستقر.

نتنياهو والدعم السياسي للتشدد العسكري

تنسجم تصريحات زامير مع الموقف الذي يتبناه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي ربط مراراً أي عملية لإعادة إعمار غزة بنزع السلاح الكامل.

وكان نتنياهو قد أكد في وقت سابق أن حكومته لن تسمح ببدء الإعمار قبل تحويل القطاع إلى “منطقة خالية من السلاح والأنفاق”، معتبراً أن المرحلة التالية من أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن تركز على تفكيك البنية العسكرية للفصائل.

هذا الربط يعكس توجهاً سياسياً واضحاً لتوظيف الملف الإنساني كأداة ضغط، بدل التعامل معه باعتباره أولوية إنسانية عاجلة.

إعادة الإعمار رهينة الشروط الإسرائيلية

وفق تقارير دولية، تنص المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار على نزع سلاح الفصائل، وانسحاب إضافي لقوات الاحتلال، وبدء جهود إعادة الإعمار، التي تقدر كلفتها بنحو 70 مليار دولار.

لكن إصرار إسرائيل على تقديم ملف “نزع السلاح” على أي التزام إنساني يجعل هذه المرحلة عملياً معلّقة، ويحوّل الإعمار إلى ورقة ابتزاز سياسي.

ويحذّر خبراء من أن هذا النهج سيُبقي غزة في دائرة الدمار والفقر، ويقوّض فرص الاستقرار طويل الأمد، لأن إعادة الإعمار دون حل سياسي عادل ستظل مؤقتة وهشّة.

تعنّت الاحتلال واستراتيجية “الضغط الأقصى”

تعكس تصريحات زامير تمسك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باستراتيجية “الضغط الأقصى”، القائمة على التهديد المستمر باستخدام القوة، وربط أي تسوية بشروط أمنية صارمة.

هذه الاستراتيجية، التي حظيت بدعم أميركي واضح منذ بدء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، أدت إلى نتائج كارثية على المستوى الإنساني، دون أن تحقق حلاً سياسياً مستداماً.

فبدلاً من البحث عن مسار تفاوضي شامل، يواصل الاحتلال فرض معادلة: إما القبول بالشروط الإسرائيلية، أو العودة إلى الحرب.

حصيلة إنسانية ثقيلة وواقع بلا أفق

منذ اندلاع الحرب، أسفرت العمليات العسكرية عن أكثر من 72 ألف شهيد، وأكثر من 171 ألف جريح، إضافة إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية في القطاع، وفق معطيات رسمية.

ورغم هذه الكلفة الهائلة، لا يزال الخطاب الإسرائيلي يركّز على “الحسم العسكري”، متجاهلاً أن استمرار الدمار سيغذّي مزيداً من الغضب وعدم الاستقرار في المنطقة.

ويؤكد محللون أن التعنّت الحالي يعكس مأزقاً استراتيجياً، إذ فشل الاحتلال في فرض واقع جديد بالقوة، لكنه في الوقت نفسه يرفض أي تسوية لا تحقق له تفوقاً مطلقاً.

خلاصة: رفح كرسالة سياسية وعسكرية

لا يمكن قراءة تصريحات زامير من رفح بمعزل عن السياق الأوسع للصراع، فهي تمثل رسالة مزدوجة: للداخل الإسرائيلي بأن الجيش “مستعد”، وللفلسطينيين والمجتمع الدولي بأن الاحتلال ماضٍ في شروطه مهما كانت الكلفة.

لكن هذا التعنّت، القائم على منطق القوة وحده، يهدد بإعادة إنتاج دوامة الحرب والدمار، ويقوّض فرص التهدئة وإعادة الإعمار، ويؤكد أن غزة ما تزال رهينة حسابات عسكرية وسياسية لا ترى في الإنسان أولوية.

اقرأ أيضًا : نزاع سعودي إماراتي قد يعصف بالاستقرار الإقليمي في لحظة حساسة