مرة أخرى يجد المصريون أنفسهم أمام مشهد يتكرر: مؤسسة سيادية تابعة للجيش تستحوذ على شركة حكومية استراتيجية بثمن بخس لا يساوي 5% من قيمتها السوقية. هذه المرة، جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، التابع للقوات الجوية، ابتلع 89.66% من أسهم الشركة “العربية لاستصلاح الأراضي” مقابل 23.3 مليون جنيه فقط، أي بسعر 5 جنيهات للسهم بينما كان سعره في البورصة يتجاوز 106 جنيهات وقت البيع. 

المفارقة أن السهم ارتفع بعد يوم واحد إلى 128 جنيهاً، لتبدو الصفقة أقرب إلى “سطو رسمي” على الأصول العامة، في خرق صارخ لمبدأ الشفافية وللتعهدات المقدمة لصندوق النقد الدولي بإنهاء هيمنة الجيش على الاقتصاد المدني.

 

التناقض مع تعهدات الدولة أمام صندوق النقد

صفقة الاستحواذ تفتح الباب واسعاً لانتقادات داخلية وخارجية. فبينما يطالب صندوق النقد الدولي القاهرة بطرح أصول الدولة للقطاع الخاص وتخارج المؤسسة العسكرية من الاقتصاد، تأتي هذه العملية لتؤكد العكس: الجيش يوسع قبضته على القطاعات المدنية، من الغذاء والدواء وحتى الزراعة. ومن المعلوم أن قرض الصندوق الأخير لمصر بقيمة 8 مليارات دولار كان مشروطاً بإصلاحات جوهرية، أبرزها تقليص نفوذ الأجهزة السيادية. لكن بدلاً من ذلك، يُدشن السيسي ذراعاً عسكرياً جديداً يبتلع شركات مدنية عمرها عقود.

هذا التناقض يضع مصر أمام مأزق مع شركائها الماليين، ويكشف أن نظام السيسي يفضل الحفاظ على إمبراطورية اقتصادية عسكرية على حساب ثقة المستثمرين وسمعة الدولة المالية. بل إن ما حدث يرسخ صورة “الاقتصاد العسكري الموازي” الذي يبتلع القطاع العام ويقصي القطاع الخاص.

من الشفافية إلى التعتيم الكامل

الشركة “العربية لاستصلاح الأراضي” التي تأسست عام 1964، كانت تخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية، وتنشر ميزانياتها سنوياً. لكنها الآن خرجت من تحت أعين الأجهزة المدنية إلى مظلة “مستقبل مصر”، جهاز لا ينشر ميزانيات ولا يخضع لرقابة مستقلة.

هذا التحول لا يعني فقط غياب الشفافية، بل يعني أيضاً أن شركة لديها خبرات ومشروعات حيوية في استصلاح الأراضي والبنية التحتية الزراعية باتت جزءاً من إمبراطورية عسكرية مغلقة، تتعامل مع الأصول العامة كما لو كانت “ملكية خاصة” للقيادة.

سرقة علنية تحت غطاء القانون

المثير أن هذه الصفقة تمت تحت حماية قانون 32 لسنة 2014، الذي حصن العقود الحكومية من الطعن عليها أمام القضاء من أي طرف ثالث. أي أن بيع شركة حكومية بقيمة أقل من 5% من سعرها السوقي لا يمكن الطعن عليه قضائياً إلا من طرفي التعاقد، أي الدولة نفسها والمشتري العسكري! وهذا يضع الشعب المصري، المالك الحقيقي لهذه الشركات، خارج اللعبة تماماً.

بعبارة أخرى: السيسي لا يكتفي ببيع أصول مصر، بل يضمن أيضاً أن لا يجرؤ أحد على مساءلته أو إيقاف هذه الصفقات.

لماذا الجيش يبتلع الزراعة الآن؟

صفقة الاستحواذ ليست معزولة، بل تأتي ضمن استراتيجية واضحة. منذ 2022، ومع قرار السيسي بإنشاء جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، بدأت القوات الجوية تظهر كفاعل اقتصادي جديد. الجهاز حصل على مشروعات ضخمة مثل “الدلتا الجديدة” لاستصلاح 2.2 مليون فدان، وتوسع ليشمل قطاعات البحيرات والسلع التموينية والتصنيع الزراعي وحتى الاستثمار العقاري عبر مشروعات مثل “مدينة جريان”.

هنا تبرز خطورة أكبر: الجهاز العسكري لا يقتصر دوره على إدارة مشروعات زراعية، بل ينافس الوزارات المدنية في كل شيء: الزراعة، الري، التموين، الصناعة، وحتى التجارة الخارجية عبر البورصة السلعية. وبذلك يصبح الجهاز نافذة احتكارية تسيطر على تدفق الغذاء من المزرعة إلى المائدة.

المستثمرون يهربون والاقتصاد يختنق

خبراء الاقتصاد، مثل الدكتور أحمد ذكر الله، يرون أن المشكلة ليست فقط في “سرقة” شركة حكومية، بل في الإشارة السلبية التي يرسلها ذلك للمستثمرين. أي مستثمر أجنبي سيقرأ هذه الصفقة كتحذير: في مصر لا توجد منافسة عادلة، فالمؤسسة العسكرية قادرة على الاستيلاء على أي قطاع أو شركة بأقل من قيمتها، وبغطاء قانوني كامل.

هذا المناخ يقتل روح الاستثمار، ويعزز الاحتكار بيد أجهزة سيادية أو شركات تابعة لدول عربية شريكة للسلطة. النتيجة: اقتصاد مغلق، معزول، يدار بعقلية عسكرية قصيرة النظر، بينما يغرق الشعب في أزمات غذاء وديون وفقر متصاعد.

السيسي وبيع الأرض

منح السيسي جهاز “مستقبل مصر” أراضي الدولة بلا حدود: 70 فداناً من وزارة الزراعة، 14 فداناً من وزارة الري، مساحات شاسعة في سيناء والبحر الأحمر، وأراضي السويس والإسماعيلية. ومع كل قرار، تتقلص سيطرة الوزارات المدنية، وتتوسع سلطة الجيش.

بهذا، يتحول شعار “الأرض لمن يزرعها” إلى “الأرض لمن يملك السلاح”. فالسيسي لا يبيع فقط الشركات الحكومية، بل يبيع الأراضي نفسها، لينقل ملكيتها إلى كيانات عسكرية مغلقة. هذه السياسة ليست سوى استمرار لمنهج “خصخصة مصر” لكن هذه المرة لمصلحة جيوب عسكرية وليست مستثمرين مدنيين.

دولة عسكرية.. وشعب بلا صوت

الاستحواذ الأخير ليس مجرد صفقة مالية، بل هو انعكاس لطبيعة النظام كله. نظام يضع الاقتصاد تحت هيمنة العسكر، يخالف التزاماته الدولية، ويغلق باب المنافسة الحرة، بينما يحمّل الشعب وحده تكلفة الفشل.

السيسي يبيع مصر قطعة قطعة: شركات، أراضٍ، وبحيرات. والنتيجة اقتصاد مرهون، ومستقبل غامض. وإذا استمر هذا النهج، فإن مصر ستتحول من دولة تمتلك مؤسسات مدنية واقتصاداً متنوعاً، إلى ثكنة عسكرية اقتصادية لا مكان فيها للقطاع الخاص ولا للمواطن العادي، سوى أن يدفع الثمن.

اقرأ أيضًا : دماء المصريين لن تجف.. 12 عاما على مجزرة رابعة