من حريق السنترال إلى ارتباك الدولة.. هل وصل النظام المصري إلى لحظة الذعر السياسي؟
في سابقة لافتة، خرج رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، المعروف بنبرته المتزنة، عن هدوئه المعتاد، موجّهًا لغة تهديد مباشرة لأول مرة ضد المنتقدين، ومشيرًا إلى “دول لا تسمح بإظهار السلبيات”، في ما فُسر بأنه تلميح إلى النموذج السعودي في التعامل مع المعارضة.
وجاء هذا التصريح في خضم أجواء شديدة الارتباك السياسي والأمني أعقبت حادث حريق “سنترال رمسيس”، أحد أكبر مراكز الاتصالات في مصر، وسط مخاوف من اختراق معلوماتي كبير طال مسؤولين كبار، بحسب بيان رسمي صدر عن هيئة الرقابة الإدارية، ما ألقى بظلال من القلق العميق داخل مؤسسات النظام.
من التصريحات إلى التهديدات: نبرة جديدة تكشف عمق الأزمة
منذ تولّيه المنصب في 2018، لم يُعرف عن مصطفى مدبولي استخدامه للغة المواجهة أو التصعيد السياسي المباشر. إلا أن تصريحه الأخير في اجتماع الحكومة بالعلمين، حمل لأول مرة نبرة عدوانية تجاه “منتقدي الدولة”، محذرًا مما وصفه بـ”تصدير اليأس”، في لغة تحمل مدلولات واضحة عن تضييق قادم على الأصوات المعارضة في الداخل والخارج.
وبحسب مراقبين، فإن التحول في خطاب مدبولي يعكس تحوّلًا داخليًا في تقدير النظام لحجم التهديدات المتصاعدة، لا سيما مع تنامي مؤشرات الانشقاق الإعلامي، وتراجع السيطرة على الرأي العام، وفشل الرواية الرسمية في تبرير الكوارث المتتالية.
حريق سنترال رمسيس: مجرد حادث أم إنذار وطني؟
شكل الحريق الذي شبّ في سنترال رمسيس يوم 7 يوليو منعطفًا في وعي السلطة، وسط شكوك عميقة بأن الحادث ليس عرضيًا، بل يخفي وراءه عملية اختراق خطيرة للبنية التحتية المعلوماتية للدولة. هذه المخاوف تعززت ببيان رسمي أصدرته هيئة الرقابة الإدارية، تحدث عن محاولات لاختراق هواتف ومسؤولين من قبل جهات مجهولة تدّعي الانتماء للهيئة.
وتوحي صيغة البيان، وصدوره عن جهة سيادية يديرها مصطفى السيسي نجل الرئيس، بأن الخرق مقلق بدرجة تكفي لإطلاق تحذيرات علنية ومباشرة، وسط تكهنات بأن الحادث قد كشف ثغرات حساسة تمس الأمن القومي المصري، وخطط الحكومة المستقبلية.
تصدّع في الجبهة الإعلامية: الأصوات الرسمية تتمرّد
ربما كان التطور الأخطر في المشهد هو التمرد الإعلامي غير المسبوق من شخصيات معروفة بولائها للنظام، مثل إبراهيم عيسى ولميس الحديدي، والانتقادات الصريحة التي وجهها رئيس تحرير موقع “فيتو” المؤيد للنظام ضد سياسات الحكومة الاقتصادية والأمنية.
ويُعد خروج لميس الحديدي من الشاشة، وإيقاف برنامج عمرو أديب (زوجها) في اليوم التالي، رسالة مزدوجة من السلطة لكل من يتجاوز “الخط الأحمر”، لكن أيضًا دليلًا على ارتباك غير مسبوق في إدارة المضمون الإعلامي الداخلي، خصوصًا أن هذه الأصوات كانت لعقود جزءًا من آلة النظام.
انهيار الثقة وسياسات التخويف: ما وراء خطاب مدبولي
تفسّر المحللة السياسية مها عزام خطاب مدبولي بأنه نتيجة لفشل النظام في تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، معتبرة أن التهديد لا يُظهر القوة بل يعكس الهشاشة والخوف من انفجار قادم، وربما استباق لتحركات شعبية أو إعلامية لم تُرصد بعد بشكل واضح.
وتشير عزام إلى أن المعارضة في الخارج باتت تؤثر فعليًا في المعادلة الداخلية، وأن تصريحات مدبولي تأتي في هذا السياق كـ”محاولة لتخويف المصريين الوطنيين” من الانخراط في أي حراك سياسي.
هل نحن أمام انكشاف للنظام؟
التصعيد في اللغة، والقلق من الاختراق، وانفلات بعض الأصوات المحسوبة على السلطة، كلها مؤشرات على أن النظام يمرّ بحالة اهتزاز داخلي قد تكون هي الأعمق منذ 2013. وبين أزمة اقتصادية خانقة، وغياب الدعم الخليجي، وضغط الحرب في غزة، والأزمات الإقليمية على حدود مصر (السودان، ليبيا، سد النهضة)، تبدو السلطة أقرب إلى فقدان السيطرة الكاملة على المشهد العام.
ويخشى مراقبون من أن يدفع هذا التوتر الحكومة إلى مزيد من القمع والتضييق وتكميم الأفواه، في محاولة لإعادة فرض الهيبة، لكنها محاولة قد تأتي بنتائج عكسية، خصوصًا إذا تطور الارتباك الإعلامي إلى انشقاقات مؤسسية أوسع.
النظام المصري أمام “لحظة انكشاف”.. ولا أوراق قوة حقيقية
بين لهجة تهديد غير معتادة من رئيس الحكومة، وبيان رسمي يحذر من اختراق أمني محتمل، وحالة تمرد في المنظومة الإعلامية، يبدو أن النظام المصري يواجه واحدة من أعقد لحظاته منذ ثورة 25 يناير.
قد لا يكون الانهيار وشيكًا، لكنه لم يعد أيضًا مجرد خيال.
فهل يدفع الخوف السلطة إلى الانفجار؟ أم يدفع المصريين إلى الانفجار؟
اقرأ أيضا: أحمد مكي: أجهزة الأمن المصرية قادت صراعًا ممنهجًا ضد استقلال القضاء